حلب تُنهكها “نصف الرحلة”… تقطيع خطوط السرافيس بين الفوضى المعيشية وتواطؤ الصمت الرسمي
في مدينة تتآكل فيها القدرة الشرائية بوتيرة أسرع من أي إصلاحات موعودة، لم تعد أزمة النقل في حلب مجرد ازدحام أو تأخير يومي، بل تحولت إلى نظام “نصف خدمة” يضاعف الأعباء على السكان. مع ارتفاع أسعار الوقود وتراجع قيمة الليرة السورية، برزت ظاهرة تقسيم خطوط السرافيس إلى أجزاء متعددة، بحيث لم يعد الراكب يشتري رحلة واحدة، بل سلسلة رحلات مجزأة تُستنزف فيها جيوبه مرتين في الاتجاه الواحد.
بين مبررات السائقين عن “الكلفة الباهظة” واعتراضات الركاب على “التجزيء القسري” للخطوط، تتشكل في شوارع المدينة معادلة نقل جديدة لا يبدو أنها تخضع لرقابة فعلية، بل لميزان أمر واقع تفرضه الأزمة الاقتصادية أكثر مما تنظمه الجهات المعنية.
تقسيم الخطوط… عندما تتحول الرحلة إلى عبء مضاعف
ظاهرة تقسيم خطوط النقل ليست طارئة على المشهد الحلبي، لكنها عادت لتتوسع بشكل أوضح خلال الفترة الأخيرة. خطوط رئيسية كانت تمتد من طرف المدينة إلى طرفها الآخر، باتت اليوم تُختصر إلى “نصف مسار”، يجبر الركاب على تبديل السرافيس أكثر من مرة للوصول إلى وجهاتهم، ما يعني عملياً دفع أجرة مضاعفة لرحلة واحدة.
على خط الدائري الجنوبي، أحد أطول خطوط النقل في حلب، الممتد لنحو 11 كيلومتراً، تحولت الرحلة الواحدة إلى مرحلتين منفصلتين، بين جامعة حلب والصاخور مروراً بعدة أحياء. الركاب لم يعودوا يتحدثون عن “خط واحد”، بل عن “رحلتين قسريتين” داخل المدينة نفسها، تُفرض عليهم دون خيار فعلي.
خلود عبد الجواد، موظفة في المدينة، تختصر المشهد بمرارة يومية: “كنت أصل إلى عملي بسرفيس واحد، اليوم أبدّل مرتين على الطريق نفسه، وأدفع ضعف ما كنت أدفعه سابقاً، بينما راتبي لم يتغير”.
ظاهرة لا تقتصر على خط واحد
الامتداد لم يتوقف عند الدائري الجنوبي. خطوط أخرى مثل شارع النيل – جمعية الصحة باتت تعمل بنمط مشابه، إذ تنتهي بعض الرحلات قبل الوصول إلى القصر العدلي، ما يجبر الركاب على استخدام وسيلة نقل إضافية.
في قلب المدينة، تتكرر الحكاية نفسها: مسار يُجزأ، وأجرة تتضاعف، وراكب يُدفع تدريجياً إلى تحويل التنقل اليومي إلى سلسلة إنفاق مرهق، لا يمكن التنبؤ بنهايته.
المفارقة أن هذه التحولات لم تأتِ عبر قرار معلن، بل عبر واقع يومي يتشكل بصمت، ويستقر تدريجياً حتى يصبح “طبيعياً”، رغم أنه يغيّر جوهر الخدمة نفسها.
السائقون بين كلفة الوقود ومنطق البقاء
في المقابل، يبرر سائقون هذا التحول بأنه محاولة للبقاء في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف التشغيل، مؤكدين أن الخطوط الطويلة لم تعد مجدية اقتصادياً.
لكن هذا “التبرير الاقتصادي” يفتح باباً أوسع على سؤال أكبر: هل تتحول الخدمة العامة تدريجياً إلى قطاع غير منظم تحكمه الحسابات الفردية بدل السياسات العامة؟ في ظل غياب حلول واضحة أو رقابة صارمة، يبدو أن الإجابة تُترك للشارع نفسه، حيث يدفع المواطن وحده ثمن هذا التحول.
خطاب رسمي حاضر… وتطبيق غائب
رغم تأكيد الجهات الرسمية في حلب أنها تتابع ملف النقل وتخالف المتجاوزين، إلا أن المشهد على الأرض يوحي بعكس ذلك. فالتقسيم مستمر، والمسارات تتغير، والركاب يواصلون دفع كلفة نظام غير مستقر، دون مؤشرات على معالجة جذرية.
في النتيجة، لا تبدو أزمة السرافيس في حلب مجرد خلل في النقل، بل مرآة لأزمة أوسع: خدمات تتآكل تدريجياً، وقدرة معيشية تتراجع، ومدينة تُعاد هندسة تفاصيلها اليومية وفق منطق الضرورة لا التخطيط.
حلب اليوم لا تتحرك فقط على عجلات سرافيسها، بل على إيقاع أزمة اقتصادية تجعل من “نصف الرحلة” قاعدة، ومن الكلفة المضاعفة واقعاً يومياً، ومن الحلول المؤسسية وعداً مؤجلاً.