مرضى سوريون في تركيا أمام كلفة العلاج.. حين يصبح المرض عبئاً لا يُحتمل

“فوق الموتة عصة قبر”، هكذا يختصر عبد الرزاق شيخ تلت، اللاجئ السوري في إسطنبول، واقعاً لم يعد فيه المرض وحده مصدر القلق، بل تحولت كلفة علاجه إلى معركة شهرية تستنزف دخله المحدود. فمع إنهاء تركيا العلاج المجاني لمعظم السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة، وجد مرضى الأمراض المزمنة أنفسهم أمام فاتورة صحية جديدة، في وقت لا تملك فيه عائلات كثيرة هامشاً مالياً يسمح لها بتحملها.

بالنسبة إلى مريض يحتاج إلى دواء وحقن وتحاليل بصورة منتظمة، لا تعني نهاية العلاج المجاني مجرد تغيير في آلية الاستفادة من الخدمات الصحية، بل انتقال العلاج من حق متاح إلى كلفة ثابتة تلاحق الأسرة كل شهر.

من العلاج المجاني إلى فاتورة شهرية

عبد الرزاق، الذي يعيش في إسطنبول منذ عشر سنوات، لديه طفل في السابعة يعاني من الروماتيزم منذ ثلاث سنوات. كان الطفل يحصل على المعاينات والتحاليل والأدوية مجاناً، قبل أن يجد والده نفسه مضطراً إلى إنفاق نحو 10 آلاف ليرة تركية شهرياً على علاجه.

يدفع نحو 7 آلاف ليرة ثمن حقنة «هوميرا»، و500 ليرة لحقنة «ميتو آرت»، إضافة إلى نحو 2500 ليرة للتحاليل والمكملات والمعاينة. وفي المقابل، لا يتجاوز دخل الأب 35 ألف ليرة من عمله في ورشة خياطة بمنطقة إسنلر، أي أن علاج طفل واحد يلتهم قرابة ثلث دخل الأسرة.

الحكاية لا تتوقف عنده. غزوان سحاري، اللاجئ السوري في هاتاي، بدأ التفكير جدياً بالعودة إلى سوريا بعدما وجد أن علاج الربو التحسسي الذي يحتاجه بصورة دورية أصبح أكثر كلفة في تركيا. أما هبة رسلان، في إسطنبول، فتواجه كلفة علاج ابنتها المصابة بالتصلب اللويحي، وهي كلفة تقول إنها تفوق قدرتها المالية.

استثناءات لا ترى المرضى جميعاً

مع بداية العام، تغيرت قواعد الحصول على الرعاية الصحية للسوريين الخاضعين للحماية المؤقتة، مع انتقال معظمهم إلى نظام التأمين الصحي العام ودفع الرسوم، فيما بقيت خدمات الطوارئ والحالات الحرجة وبرامج الوقاية الأساسية متاحة مجاناً.

وتشمل الاستثناءات حاملي إذن العمل المستفيدين من التأمين الاجتماعي والصحي، والمستفيدين من برامج المساعدات الأوروبية عبر الهلال الأحمر التركي، إضافة إلى بعض الحالات الصحية التي تثبت تقاريرها وجود عجز بنسبة 40% أو أكثر، فضلاً عن الأمراض المستعصية.

لكن هذه الاستثناءات تترك المرض المزمن في منطقة رمادية: ليس طارئاً بما يكفي للحصول على الأولوية، ولا بسيطاً بما يسمح للمريض بتجاهله. إنه مرض يحتاج إلى علاج دائم، فيما يصبح الوصول إلى ذلك العلاج مرتبطاً بالقدرة على الدفع.

المستوصفات لا تكفي

يقول رئيس اتحاد منظمات المجتمع المدني السوري في تركيا، مهدي داوود، إن نحو 198 مركزاً طبياً لا تزال تقدم خدمات مجانية للسوريين، لكن هذه المراكز لا توفر بالضرورة الرعاية التخصصية التي يحتاج إليها أصحاب الأمراض المزمنة.

وهنا تظهر الفجوة بوضوح: يستطيع المريض الحصول على معاينة عامة أو علاج أولي، لكنه قد يحتاج بعد ذلك إلى اختصاصي ودواء وتحاليل وحقن لا تغطيها الخدمة المجانية.

وبذلك لا تنتهي رحلة المريض عند باب المستوصف، بل تبدأ منه رحلة أخرى نحو المستشفى والصيدلية، حيث تتحول كل خطوة إلى رقم في فاتورة العلاج.

حين يصبح إذن العمل شرطاً للصحة

يربط الواقع الجديد التغطية الصحية، بالنسبة إلى شريحة من السوريين، بالحصول على إذن عمل والتسجيل في التأمين الصحي، بينما يستطيع المرضى الذين يثبتون عجزاً صحياً بنسبة 40% أو أكثر التقدم بطلب لإعادة تفعيل التغطية المجانية، بعد تقديم تقارير طبية ودراسة الملف من قبل الجهات المختصة.

لكن تحويل الحصول على العلاج إلى سلسلة من الطلبات والتقارير والإثباتات لا يلغي المشكلة الأساسية: المرض المزمن لا ينتظر اكتمال المعاملة، والحقنة التي يحتاجها المريض اليوم لا يمكن تأجيلها إلى أن تنتهي دورة الموافقات.

وفي ظل تراجع المساعدات الخارجية وتغير سياسات اللجوء الأوروبية، يبدو أن السوريين يدفعون جانباً من فاتورة التحول في السياسة الصحية، بينما تجد العائلات الأضعف نفسها أمام خيارين كلاهما قاسٍ: دفع ما لا تملك، أو ترك المرض يتقدم.

وبالنسبة إلى الحكومة السورية الانتقالية، فإن عودة هؤلاء السوريين إلى البلاد لا يمكن أن تكون مجرد رقم في حسابات العودة، ما لم تكن هناك منظومة صحية قادرة فعلاً على استقبال المرضى المزمنين وتأمين أدويتهم وعلاجاتهم. وإلا فإن العودة، بالنسبة إلى من يحمل مرضاً مزمناً، قد لا تعني انتهاء رحلة اللجوء بقدر ما تعني انتقال أزمة العلاج من بلد إلى آخر.

 

اقرأ أيضاً: مرضى السرطان بلا جرعات مجانية منذ عام ونصف

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.