شبكات الري المتوقفة تحرم آلاف الهكتارات من الاستثمار الزراعي في ريف الحسكة

يترقب مزارعو ريف الحسكة الجنوبي إعادة تأهيل وتشغيل شبكات الري الحكومية المرتبطة بمشروع السد الجنوبي، بعد سنوات طويلة من توقفها، في ظل تراجع القدرة على استثمار مساحات زراعية واسعة والاعتماد المتزايد على الأمطار والآبار الخاصة لتأمين مياه الري.

ويقول مزارعون في المنطقة إن توقف المشروع حرمهم من مصدر مائي كان يخدم مساحات واسعة من الأراضي، ودفع بعضهم إلى حفر آبار خاصة وتجهيزها بمضخات، لتضاف تكاليف المحروقات والصيانة إلى أعباء الحراثة والزراعة والحصاد.

وتقدر المساحة التي يمكن أن تستفيد من إعادة تشغيل شبكات الري بأكثر من 26 ألف هكتار، وفق المهندس الزراعي ثامر الموسى، الذي يرى أن عودة المشروع إلى العمل يمكن أن توسع نطاق الاستثمار الزراعي وتخفف ارتباط الإنتاج بمعدلات الهطول المطري.

مزارعون يبحثون عن مصدر مياه ثابت

يقول المزارع خالد الحمزة، من ريف الحسكة الجنوبي، إن إعادة تشغيل شبكات الري يمكن أن تخفف جانباً كبيراً من الأعباء التي يتحملها أصحاب الأراضي، ولا سيما أن المناطق المشمولة بالمشروع تضم أراضي خصبة وقابلة لزراعة محاصيل متنوعة.

ويشير الحمزة إلى أن المزارعين كانوا يعتمدون سابقاً على الشبكة الحكومية لتأمين احتياجات الري، لكن توقفها أجبر بعضهم على البحث عن بدائل، وفي مقدمتها الآبار، التي تحتاج إلى حفر وتجهيزات ومضخات، فضلاً عن نفقات تشغيل وصيانة مستمرة.

ويضيف أن مشكلة المياه تأتي في وقت ترتفع فيه أصلاً تكاليف مستلزمات الزراعة، من الحراثة والزراعة والحصاد إلى المحروقات، ما يجعل الاعتماد على مصادر المياه الخاصة أكثر كلفة، خصوصاً بالنسبة إلى أصحاب الحيازات الكبيرة.

بدوره، يقول المزارع سالم الرجب، من المنطقة نفسها، إن عودة الشبكات إلى الخدمة قد تساعد المزارعين على استعادة مساحات تراجعت قدرتهم على زراعتها خلال سنوات الجفاف.

ويشير الرجب إلى أن أجزاء واسعة من ريف الحسكة الجنوبي صالحة لزراعة القمح والشعير والقطن والخضروات، لكن نقص المياه يجعل الإنتاج مرتبطاً بدرجة كبيرة بالأمطار أو بقدرة كل مزارع على تأمين مصدر مياه خاص.

وبحسب الرجب، تعرضت أجزاء من منشآت المشروع خلال سنوات التوقف لأضرار طالت محطات الضخ والقنوات والتجهيزات، ما يجعل إعادة تشغيل الشبكة بحاجة إلى أعمال تأهيل قبل عودتها إلى العمل بصورة كاملة.

مشروع السد الجنوبي متوقف منذ 2008

يرتبط نظام الري بالسد الجنوبي في ريف الحسكة، وهو سد تخزيني يعتمد بشكل أساسي على مياه الأمطار. ويتألف مشروع الري المرتبط به من حقلين رئيسيين؛ الحقل 19 الذي تصله المياه عبر محطة الضخ رقم 13، والحقل 21 الذي يعتمد على محطة الضخ رقم 15.

وكان عام 2008 آخر سنة شهدت استثماراً فعلياً لشبكات الري التابعة للمشروع، قبل أن يتوقف تشغيلها بسبب عدم كفاية مخزون المياه في بحيرة السد لتشغيل محطات الضخ.

وتزامن ذلك مع موجات الجفاف التي ضربت المنطقة خلال السنوات اللاحقة، ما أدى إلى استمرار تراجع الموارد المائية وعدم القدرة على إعادة تشغيل الشبكة.

ولم تقتصر الأضرار على انخفاض مخزون السد، إذ تعرضت منشآت المشروع خلال سنوات التوقف لأضرار وأعمال تخريب وسرقة طالت محطات الضخ والقنوات الرئيسية والفرعية وبعض التجهيزات، الأمر الذي يزيد حجم الأعمال المطلوبة لإعادة تأهيل المنظومة.

الآبار تعوض غياب الشبكة بكلفة مرتفعة

دفعت سنوات توقف شبكات الري عدداً من المزارعين إلى الاعتماد على الآبار الخاصة لتأمين مياه الري. لكن هذا الخيار لم يكن متاحاً لجميع أصحاب الأراضي، كما فرض أعباء مالية إضافية على من تمكنوا من اللجوء إليه.

ويقول الحمزة إن بعض المزارعين اضطروا إلى حفر آبار عميقة للوصول إلى المياه الجوفية، فيما بات تشغيل المضخات مرتبطاً بتوافر المحروقات وقدرة المزارع على تحمل نفقاتها.

ويشير إلى أن انخفاض مناسيب المياه الجوفية في بعض المناطق زاد صعوبة الاعتماد على الآبار، إذ بات الوصول إلى المياه يتطلب في بعض الحالات حفر آبار أعمق واستخدام مضخات قادرة على رفعها، لتتراكم هذه التكاليف فوق بقية نفقات الموسم الزراعي.

ويمتلك الحمزة، بحسب إفادته، نحو 200 دونم من الأراضي الزراعية، بينما تتراوح ملكيات مزارعين آخرين ضمن نطاق المشروع بين 30 و200 دونم، وهي مساحات يرى أصحابها أنها قادرة على استعادة جزء من إنتاجيتها في حال عادت شبكة الري للعمل.

ويرى الرجب أن تأهيل المشروع سيمنح المزارعين خياراً أكثر استقراراً من الاعتماد على الآبار، وقد يساعد على الحد من تقليص المساحات المزروعة أو ترك أجزاء منها نتيجة ارتفاع كلفة تأمين المياه.

كما يمكن، بحسب الرجب، أن يخفف تشغيل الشبكات الضغط على المياه الجوفية، ويمنح المزارعين قدرة أكبر على التخطيط للمواسم واختيار محاصيل تحتاج إلى كميات أكبر من المياه.

أكثر من 26 ألف هكتار قابلة للاستثمار

يقدر المهندس الزراعي ثامر الموسى مساحة الأراضي التي يمكن أن تستفيد من إعادة تفعيل شبكات الري بأكثر من 26 ألف هكتار، وهي مساحة يمكن أن تشكل إضافة إلى الإنتاج الزراعي في محافظة الحسكة، حيث يعتمد جزء كبير من سكان الريف على الزراعة وتربية المواشي.

ويقول الموسى إن أهمية إعادة تشغيل المشروع لا تقتصر على تأمين المياه للمحاصيل، إذ إن عودة هذه الأراضي إلى الإنتاج يمكن أن تنشط قطاعات مرتبطة بالزراعة، بما فيها توفير مستلزمات الإنتاج والنقل والتسويق، فضلاً عن إنتاج الأعلاف والمخلفات الزراعية التي يمكن الاستفادة منها في تربية المواشي.

ويرى أن إعادة تفعيل مشاريع الري الحكومية يمكن أن تعزز استقرار الإنتاج الزراعي، خصوصاً في المناطق التي تعتمد مساحات واسعة منها على الزراعة البعلية.

ويشير إلى أن وجود مصدر ري منتظم يقلل ارتباط المحاصيل بالهطولات المطرية، ويوسع خيارات المزارعين بين المحاصيل الشتوية، مثل القمح والشعير، والمحاصيل الصيفية والخضروات، كما يمكن أن يوفر مصدراً مائياً يدعم تربية الثروة الحيوانية.

إعادة التشغيل مرتبطة بتأهيل البنية التحتية

لا تزال إعادة تشغيل الشبكات تواجه تحديات مرتبطة بحالة البنية التحتية، إذ تحتاج محطات الضخ والقنوات الرئيسية والفرعية والتجهيزات التي تعرضت للأضرار خلال سنوات التوقف إلى أعمال تأهيل قبل استخدامها بصورة منتظمة.

ويأمل مزارعو ريف الحسكة الجنوبي أن تتحول المطالب بإعادة تشغيل المشروع إلى خطوات عملية لإصلاح منشآته، خصوصاً أن استمرار الاعتماد على الزراعة البعلية يبقي جزءاً كبيراً من الإنتاج رهينة لمعدلات الهطول.

وفي المقابل، يبقى الاعتماد على الآبار حلاً مكلفاً لا يستطيع جميع المزارعين تحمله، في وقت يمكن فيه لإعادة تأهيل شبكة الري الحكومية أن توفر مصدراً أكثر انتظاماً للمياه لمساحات تتجاوز 26 ألف هكتار، وتمنح المزارعين مساحة أكبر للتخطيط والإنتاج بعيداً عن تقلبات الموسم المطري وتكاليف ضخ المياه من الآبار الخاصة.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.