شح السيولة يؤخر مستحقات القمح.. مزارعون يتحفظون على صرف 25% عبر “شام كاش”

بدأ المصرف الزراعي التعاوني صرف فواتير مستحقات مزارعي القمح لموسم 2025-2026، بالتزامن مع اعتماد آلية تقضي بتحويل 25% من صافي المستحقات إلى حسابات الفلاحين على تطبيق “شام كاش”، في حين تؤجل نسبة 75% المتبقية إلى حين توفر السيولة اللازمة.

وأثار القرار تحفظات لدى مزارعين في محافظات عدة، إذ يقولون إن الاعتماد على التحويل الإلكتروني لا ينسجم بصورة كاملة مع واقع التعاملات النقدية في المناطق الزراعية، ولا سيما بالنسبة إلى كبار السن والمزارعين الذين لا يملكون حسابات إلكترونية أو يواجهون صعوبة في استخدام تطبيقات الدفع.

وبحسب تعميم صادر عن المصرف الزراعي التعاوني، جاء تقسيم المستحقات في ظل عدم توفر السيولة الكافية لدى مصرف سوريا المركزي لصرف كامل قيم الحبوب للموسم الحالي. وطلب المصرف من فروعه إعادة فتح الحسابات الجارية للفلاحين وتجهيز ملفات تتضمن بياناتهم، ومنها رقم حساب “شام كاش” وقيمة المبلغ المطلوب تحويله.

بدء توزيع فواتير القمح في الحسكة

تزامن الإجراء مع بدء فروع المصرف الزراعي توزيع فواتير مستحقات القمح في عدد من المحافظات، بينها الحسكة، التي تعد من أبرز مناطق إنتاج المحصول في سوريا.

وأعلن فرع المصرف الزراعي التعاوني في الحسكة، الخميس 13 آب، بدء توزيع فواتير مستحقات محصول القمح للفلاحين في مقر الفرع بمدينة الحسكة.

وتشمل المرحلة الأولى فلاحي المراكز التابعة للحسكة، إضافة إلى تل براك ومركدة والشدادي ورأس العين والهول وأبو راسين وتل تمر، وفق تسلسل تواريخ تسليم المحصول والآليات المعتمدة، على أن تستكمل لاحقًا عملية توزيع الفواتير الخاصة بالمراكز والفروع الأخرى.

ويربط المصرف آلية الصرف الجديدة بنقص السيولة، بينما يرى مزارعون أن المشكلة لا تقتصر على تأخر الحصول على كامل المستحقات، وإنما تمتد إلى الطريقة التي ستصل بها الأموال إليهم.

مزارعون: التحويل الإلكتروني لا يناسب جميع الفلاحين

قال المزارع جاسم الحسو من ريف الحسكة إن تحويل ربع المستحقات إلى حسابات إلكترونية يثير مخاوف لدى شريحة من المزارعين، خاصة في المناطق التي ما يزال التعامل النقدي فيها واسع الانتشار.

وأوضح الحسو أن محدودية انتشار وسائل الدفع الإلكتروني وصعوبة الحصول على النقد بعد تحويل الأموال قد تزيد تعقيد عملية الاستفادة من المستحقات، بدلًا من أن تؤدي الآلية إلى تسريع وصولها.

وتبرز هذه الإشكالية، بحسب الحسو، بين كبار السن من المزارعين، إذ لا يمتلك بعضهم حسابات على تطبيقات الدفع الإلكتروني، كما يواجه آخرون صعوبة في التعامل مع الهواتف الذكية والتطبيقات المالية.

ويقول مزارعون إن تأخر صرف الجزء المتبقي من المستحقات، بالتزامن مع صعوبة الوصول إلى الأموال المحولة إلكترونيًا، قد يؤثر في قدرتهم على تسديد الديون والالتزامات، خصوصًا أن عائدات محصول القمح تمثل موردًا أساسيًا لدى كثير منهم لتغطية نفقات الموسم وتأمين مستلزمات الموسم التالي.

ديون متراكمة وضغوط على مزارعي الرقة

في ريف الرقة الشرقي، يرى المزارع خالد الحمود أن نسبة الـ25% المخصصة للتحويل عبر “شام كاش” لا تتناسب مع حجم الالتزامات المالية المترتبة على المزارعين.

وقال الحمود إن هذه النسبة “قليلة جدًا”، ولا توفر، من وجهة نظره، مبلغًا كافيًا لتسديد الديون أو تغطية الاحتياجات المعيشية والزراعية.

وأضاف، في حديث إلى عنب بلدي، أن الديون تشكل العبء الأكبر على المزارعين في الوقت الحالي، مشيرًا إلى أن مواعيد سداد عدد من الالتزامات المالية حلّت منذ منتصف تموز، في وقت لم يتمكن فيه كثير من المزارعين من الوفاء بها بسبب تأخر مستحقاتهم.

ويرى الحمود أن رفع النسبة التي يمكن صرفها من خلال “شام كاش” إلى مستوى أعلى يمكن أن يخفف الضغط المالي عن المزارعين، ويمنحهم قدرة أكبر على تأمين احتياجاتهم ومواصلة أعمالهم الزراعية.

ولا تقتصر الشكاوى على آلية التحويل، إذ يواجه بعض المزارعين أيضًا بطئًا في الإجراءات المرتبطة باستلام الفواتير.

وقال المزارع أحمد العلي إن عملية تسليم الفواتير في المصرف تسير ببطء، مشيرًا إلى أن عدد الفواتير التي يجري استلامها يوميًا لا يتناسب، بحسب ما شاهده، مع حجم الفواتير المقدمة.

وأوضح أن استلام نحو عشر فواتير في بعض الأحيان من أصل آلاف الفواتير المقدمة يثير تساؤلات بشأن المدة التي سيحتاجها المصرف لإنهاء العملية، محذرًا من أن استمرار هذا البطء قد يزيد القلق والاستياء بين المزارعين.

وطالب العلي أيضًا برفع نسبة المبالغ التي يمكن تحويلها عبر “شام كاش”، بما يتيح للمزارعين مساحة أكبر لتسديد ديونهم وتأمين مستلزمات الزراعة والاستمرار في العمل خلال الفترة المقبلة.

مزارعو دير الزور يطالبون بآلية صرف أكثر مباشرة

وفي دير الزور، انتقد المزارع عبد الله الحمد من بلدة الهرموشية آلية الصرف الجديدة، رغم تفهمه للهدف المعلن منها، والمتمثل في إيصال جزء من المستحقات إلى الفلاحين إلى حين توفر السيولة اللازمة لصرف المبلغ كاملًا.

وقال الحمد إن القرار بصيغته الحالية لا يراعي، بحسب رأيه، بصورة كافية الظروف الاجتماعية والاقتصادية للفلاحين، الذين يتحملون سلسلة من النفقات طوال الموسم قبل الحصول على عائد محصولهم.

وأوضح أن تكاليف الموسم لا تقتصر على مستلزمات الإنتاج، بل تشمل الحصاد وأجور العمال والحصادات وأكياس التعبئة والنقل والمناشئ، إلى جانب تكاليف تسليم المحصول والإجراءات المرتبطة به والتنقل بين المناطق.

وأشار الحمد إلى أن المزارع قد ينتظر شهرين أو ثلاثة بعد انتهاء موسم العمل للحصول على مستحقاته، ليجد نفسه أمام صرف جزء فقط من المبلغ، مع اشتراط تحويل نسبة منه عبر تطبيق إلكتروني.

ويرى أن هذه الإجراءات قد تشكل عبئًا إضافيًا على بعض الفلاحين، ولا سيما كبار السن الذين لا يملكون حسابات على “شام كاش” أو لا يستطيعون استخدام الهواتف والتطبيقات الإلكترونية بسهولة.

وبحسب الحمد، فإن الأولوية ينبغي أن تكون لتسريع صرف كامل المستحقات واعتماد وسيلة بسيطة ومباشرة تراعي ظروف المزارعين، بدل إضافة إجراءات قد تصعّب وصولهم إلى أموالهم.

أزمة السيولة تنعكس على القطاع الزراعي

يربط الخبير الاقتصادي عبد اللطيف الأحمد بين تأخر مستحقات القمح وبين أزمة السيولة النقدية التي تشهدها الأسواق السورية، بالتزامن مع بدء التعامل بالعملة السورية الجديدة ونقص الأوراق النقدية المتاحة لدى المصارف والأسواق.

وقال الأحمد إن الضغوط على المزارعين في المحافظات الشرقية تتزايد مع بدء صرف مستحقات القمح، في ظل صعوبة تأمين السيولة النقدية، ما يضيف تحديات أمام آلاف الفلاحين للحصول على عائدات موسمهم الزراعي.

وأوضح أن هذه المستحقات لا تمثل مجرد عائد مالي عن بيع المحصول، وإنما ترتبط بقدرة المزارع على استعادة النفقات التي تحملها خلال الموسم، وتأمين احتياجات أسرته، والاستعداد للموسم الزراعي المقبل.

وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والحصاد، بما يشمل الوقود والبذار والأسمدة وأجور العمال والنقل، يزيد الحاجة إلى الحصول على المستحقات في مواعيدها.

وبحسب الأحمد، فإن اعتماد القطاع الزراعي بدرجة كبيرة على التعامل النقدي يجعل نقص السيولة أكثر تأثيرًا في المزارعين، نظرًا إلى حاجتهم إلى الأموال لتسديد أجور العمال والنقل، وشراء مستلزمات الإنتاج، والوفاء بالالتزامات المالية.

ويرى الخبير أن جوهر المشكلة لا يرتبط فقط بوسيلة تحويل الأموال، وإنما أيضًا بموعد حصول المزارع على كامل مستحقاته، لأن تأخير الصرف أو تقسيمه يمكن أن يؤثر في قدرته على سداد التزاماته والتحضير للموسم التالي.

الدفع الإلكتروني أمام واقع زراعي يعتمد على النقد

يظهر من مواقف المزارعين أن الانتقال إلى الدفع الإلكتروني يواجه تحديات مرتبطة بطبيعة التعاملات المالية في المناطق الزراعية.

فإيصال الأموال إلكترونيًا يمكن أن يوفر وسيلة لتجاوز نقص السيولة، لكن الاستفادة منه تتطلب امتلاك حسابات إلكترونية والقدرة على استخدام التطبيقات، إلى جانب وجود نقاط دفع أو سحب قريبة تتيح للمزارع الوصول إلى أمواله بسهولة.

وتصبح هذه المتطلبات أكثر تعقيدًا في المناطق الريفية والبعيدة عن مراكز المدن، حيث قد يضطر المزارع إلى قطع مسافات لإنجاز معاملاته أو تحويل الأموال الموجودة في حسابه إلى نقد، بما يضيف أعباء من الوقت والتكاليف.

كما يبقى توقيت صرف النسبتين عاملًا أساسيًا بالنسبة إلى المزارعين، إذ ترتبط حاجتهم إلى الأموال بمواعيد محددة لسداد الديون وأجور العمال والنقل وشراء مستلزمات الموسم الجديد، وليس بمجرد توفر المبلغ في الحساب.

وفي الوقت الذي يحاول فيه المصرف الزراعي التعامل مع نقص السيولة عبر تقسيم صرف المستحقات والاستفادة من القنوات الإلكترونية، يطالب المزارعون بأن تبقى هذه الإجراءات مؤقتة، وأن تضمن في النهاية وصول كامل مستحقاتهم بطريقة تتناسب مع ظروفهم وقدرتهم على الوصول إلى أموالهم.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.