النفط السوري بين آبار متوقفة وكلفة استيراد متصاعدة

لا تبدو أزمة النفط في سوريا مجرد مشكلة إنتاج ينقصه بعض البراميل، بل اختباراً لقدرة الحكومة السورية الانتقالية على إدارة واحد من أكثر القطاعات حساسية في اقتصاد يرزح تحت ضغط الحاجة إلى الطاقة والاستيراد وضيق الموارد. فالإنتاج المحلي، وفق الشركة السورية للبترول، لا يغطي سوى نحو 55% من حاجة السوق إلى النفط، فيما لا تتجاوز تغطية الغاز محلياً 30 إلى 40%، لتبقى بقية الاحتياجات معلقة على الاستيراد وما يرافقه من أعباء مالية واقتصادية.

المفارقة أن سوريا تمتلك حقولاً وآباراً وبنية نفطية يمكن أن تشكل قاعدة لاستعادة الإنتاج، لكن جزءاً من هذه المنظومة يعمل بأقل من طاقته، بينما تحتاج أجزاء أخرى إلى إعادة تأهيل واستبدال معدات واستعادة خبرات غادرت القطاع.

إنتاج يتقدم.. والطريق أطول من الأرقام

تتحدث الشركة السورية للبترول عن ارتفاع الإنتاج من مستويات تراوحت بين 10 و15 ألف برميل يومياً إلى أكثر من 100 ألف برميل، مع طموح للوصول إلى 200 ألف برميل يومياً نهاية العام، ثم نحو 800 ألف برميل في 2029.

لكن هذه الأهداف الكبيرة تصطدم بواقع أكثر صعوبة من البيانات المعلنة. ففي حقول دير الزور، لا تزال أضرار واسعة تطال الفواصل والسخانات والمضخات والآبار، فيما تبدو أوضاع حقول الرميلان والجبسة أفضل نسبياً، رغم تسجيل حالات سرقة وتعديات.

وبمعنى آخر، فإن رفع الإنتاج لا يحتاج إلى قرار إداري فقط، بل إلى أموال ومعدات وحفارات وقطع تبديل وخبرات متخصصة، وهي عناصر لا تبدو متوافرة بالسرعة التي تتطلبها الطموحات الحكومية.

آبار تنتظر المعدات.. وخبرات تنتظر العودة

تعمل الشركة على إعادة عدد من الآبار المتوقفة إلى الخدمة، وقد أعيد تشغيل قسم منها بعد تأمين المحركات والمحولات اللازمة، بينما يجري التحضير لتشغيل آبار أخرى تعتمد المضخات الغاطسة، ومعالجة الآبار المدمرة أو المكشوفة.

غير أن المشكلة لا تتوقف عند المعدات. فالقطاع يحتاج أيضاً إلى خبرات نوعية في المكامن والدراسات الهندسية، بعد سنوات فقد خلالها جزءاً مهماً من كوادره المتخصصة.

وتحاول الشركة معالجة ذلك عبر التدريب واستعادة الخبرات والاستعانة بشركات متخصصة، لكن بناء الكفاءة النفطية ليس عملية سريعة يمكن اختصارها بدورات تدريبية؛ فهو يحتاج إلى بيئة عمل مستقرة، وأجور قادرة على الاحتفاظ بالخبرات، ومسار مهني يمنع تكرار نزيف الكفاءات.

الاستثمار الأجنبي.. ضرورة أم تأجيل للحل؟

يرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس أن إعادة بناء البنية النفطية تحتاج إلى استثمارات ضخمة وتقنيات حديثة، وهو ما يدفع باتجاه الاستعانة بشركات نفط أجنبية قادرة على توفير التمويل والخبرة التقنية.

وهنا تواجه الحكومة السورية الانتقالية معادلة شديدة الحساسية: لا يمكن إعادة تأهيل القطاع بالإمكانات المحلية المحدودة وحدها، لكن فتح الباب أمام المستثمر الخارجي من دون إطار قانوني واضح قد يحول الثروة النفطية إلى ملف تفاوضي مفتوح، بدلاً من أن تكون رافعة مباشرة للاقتصاد الوطني.

وتزداد صعوبة المشهد مع الحاجة إلى تحديث تقنيات الإنتاج، وتأهيل المنشآت، وتأمين قطع الغيار، وإعادة بناء الكوادر، في وقت لا تزال فيه قدرة الدولة على تمويل مشاريع طويلة الأمد محدودة.

من النفط إلى فاتورة المواطن

المشكلة في النهاية لا تقف عند حدود الحقول. كل برميل لا يُنتج محلياً يعني حاجة إضافية إلى الاستيراد، وكل عجز في الغاز يضغط على قطاعات الكهرباء والصناعة والنقل، وتنعكس كلفته بصورة أو بأخرى على الأسعار ودخل المواطن.

لذلك، فإن اختبار الحكومة ليس في إعلان أرقام إنتاجية طموحة، بل في تحويل الآبار المتوقفة إلى إنتاج مستقر، والمنشآت المتضررة إلى بنية عاملة، والخبرات المهاجرة إلى قوة إنتاجية، والاستثمار الأجنبي إلى شراكة تخدم الاقتصاد السوري لا بديلاً عن الدولة.

وحتى ذلك الحين، سيبقى النفط السوري ثروة موجودة على الأرض، لكنها لا تزال عاجزة عن منح الاقتصاد الطاقة التي يحتاجها للخروج من أزمته.

 

اقرأ ايضاً: 60% من آبار النفط والغاز في سوريا خارج الخدمة وشراكات كبرى لإنقاذ القطاع

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.