معتقلو داعش في العراق.. ملف ثقيل على طاولة دمشق وبغداد

لا تبدو زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان إلى دمشق مجرد محطة بروتوكولية في مسار التقارب بين العراق وسوريا، فالوفد القضائي العراقي يدخل العاصمة السورية وفي حقيبته أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية: آلاف المعتقلين المنتمين الى تنظيم داعش المنقولين من شمال شرقي سوريا إلى السجون العراقية، وبينهم آلاف السوريين الذين بات مصيرهم القانوني مرتبطاً بإجراءات قضائية تجري خارج بلادهم.

الزيارة، التي جاءت لبحث ملفات قضائية وقانونية مشتركة، تضع الحكومة السورية أمام اختبار لا يتعلق فقط بعلاقاتها مع بغداد، بل بقدرتها على التعامل مع إرث أمني وقضائي شديد التعقيد، وبناء آلية واضحة لحماية الحقوق القانونية للمعتقلين ومتابعة ملفاتهم.

دمشق وبغداد.. تعاون يتقدم وملفات مؤجلة

التقى وزير العدل في الحكومة السورية الانتقالية مظهر الويس زيدان في قصر تشرين بدمشق، بحضور مستشار الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين محمد طه الأحمد وأعضاء مجلس القضاء الأعلى السوري.

وبحسب وزارة العدل السورية، ركز اللقاء على تعزيز التعاون القضائي والقانوني بين البلدين، في ظل تحسن العلاقات السورية العراقية خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً في المجالين الأمني والاقتصادي.

لكن الحديث عن «بناء دولة القانون والمؤسسات» يصطدم عملياً بملفات تحتاج إلى أكثر من العبارات الدبلوماسية. فالتعاون القضائي الحقيقي يُقاس بوجود آليات واضحة لتبادل المعلومات والملفات، وضمان حق الدفاع، وتحديد المسؤوليات القانونية، ومتابعة مصير الأشخاص الذين أصبحوا جزءاً من منظومة قضائية عابرة للحدود.

أكثر من 5700 معتقل.. وآلاف السوريين

يبرز ملف معتقلي تنظيم «داعش» في صدارة القضايا المطروحة خلال الزيارة. وكان العراق قد تسلم أكثر من 5700 من عناصر التنظيم المحتجزين في سجون شمال شرقي سوريا، بينهم 3543 سورياً، وفق أرقام أعلنها مجلس القضاء الأعلى العراقي.

وتجري السلطات العراقية تحقيقات مع المعتقلين لتحديد مسؤولية كل منهم عن الجرائم المنسوبة إليه، تمهيداً لإحالة من تثبت الأدلة تورطه إلى المحاكم المختصة.

وبالنسبة إلى السوريين تحديداً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فآلاف المواطنين باتوا أمام قضاء دولة أخرى، بينما لا تزال دمشق في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها القضائية والأمنية، الأمر الذي يجعل التنسيق بين البلدين ضرورة لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفصيلاً ثانوياً.

كما أن الملف لا يقتصر على البالغين، إذ فصلت السلطات العراقية عدداً من الأحداث الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً وأحالتهم إلى الجهات المختصة بقضايا الأحداث، ما يضيف بعداً قانونياً وإنسانياً أكثر حساسية إلى القضية.

من يتحمل مسؤولية الملف السوري؟

السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق بعدد المعتقلين فقط، بل بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على التعامل مع ملف آلاف السوريين المنتمين إلى تنظيم «داعش» والموجودين في السجون العراقية. فوجود أكثر من ثلاثة آلاف عنصر سوري بين هؤلاء يفرض على دمشق معرفة تفاصيل ملفاتهم والجرائم المنسوبة إليهم، والتنسيق مع بغداد بشأن التحقيقات والمعلومات الأمنية المرتبطة بهم، خصوصاً أن بعضهم قد يكون متورطاً في جرائم ارتُكبت داخل الأراضي السورية.

وهنا تظهر واحدة من أبرز نقاط الضعف أمام الحكومة السورية الانتقالية، إذ إن التعامل مع إرث تنظيم «داعش» لا يقتصر على استعادة مؤسسات الدولة شكلياً، بل يتطلب امتلاك أجهزة أمنية وقضائية قادرة على جمع المعلومات وتبادلها وملاحقة المتورطين في الجرائم الإرهابية، حتى لا تتحول آلاف الملفات إلى فراغ أمني وقضائي جديد يصعب احتواؤه لاحقاً.

ولا يكفي أن تتحول الزيارة إلى إعلان جديد عن «التعاون»؛ المطلوب آليات عملية تحدد كيف ستتبادل دمشق وبغداد المعلومات، وكيف ستتم متابعة المحاكمات، وما مصير من تثبت براءته أو عدم كفاية الأدلة بحقه.

اختبار حقيقي لعلاقة دمشق ببغداد

تقول الحكومة السورية الانتقالية إن المرحلة الجديدة تقوم على بناء دولة القانون والمؤسسات، بينما يرى الجانب السوري في الزيارة فرصة لفتح مرحلة جديدة من التعاون القضائي مع العراق.

لكن الطريق إلى هذه المرحلة لا يزال محاطاً بملفات ثقيلة، وفي مقدمتها ملف «داعش» ومعتقليه. وإذا أرادت دمشق تحويل التقارب السياسي والأمني مع بغداد إلى علاقة مؤسساتية، فإن القضاء سيكون أحد أصعب الاختبارات.

فالملفات التي تراكمت خلال سنوات الحرب لا تختفي بمجرد تغير السلطات، ولا تُحل بالتصريحات. إنها تحتاج إلى دولة قادرة على المتابعة، وقضاء قادر على العمل، واتفاقات واضحة تمنع أن يتحول آلاف المعتقلين السوريين إلى أرقام معلقة بين نظامين قضائيين.

وبينما تحاول دمشق تثبيت علاقاتها الإقليمية، يبقى ملف المعتقلين واحداً من الاختبارات الصامتة لقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الدولة.

اقرأ ايضاً: عودة خلايا داعش إلى دير الزور.. تصاعد العمليات يثير المخاوف ويضاعف التحديات

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.