أزمة العملة في سوريا: ماذا يعني تعدد نشرات الصرف اليومية وهل تلاشت هوية الليرة؟

يشهد سوق الصرف في سوريا حالة غير مسبوقة من التذبذب اللحظي؛ إذ لم يعد سعر الصرف ثابتاً خلال اليوم الواحد، بل بات محكوماً بصدور عدة نشرات وتسعيرات متلاحقة في السوق الموازية (السوداء). هذا الاضطراب المستمر تسبب في شلل جزئي بحركة البيع والشراء، ووضع التجار والمستهلكين في مواجهة مباشرة مع “فوضى التسعير اللحظي” التي ألقت بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية.

الفجوة السعرية: مقارنة بين السعر الرسمي والسوق السوداء

رغم الانخفاض المتتالي في قيمة الليرة السورية واقترابها من حاجز الـ 14,700 ليرة مقابل الدولار في أسواق دمشق والمحافظات، إلا أن مصرف سوريا المركزي لا يزال يثبت نشرته الرسمية منذ أواخر نيسان الماضي.

  • السعر الرسمي (المركزي): 11,250 ليرة للشراء | 11,350 ليرة للمبيع.

  • سعر السوق الموازية (السوداء): يتأرجح بين 14,500 و14,700 ليرة للدولار.

  • حجم الفجوة السعرية: يتراوح ما بين 3,000 إلى 3,300 ليرة للدولار الواحد، أي بفارق يتجاوز 25% تقريباً.

الأبعاد الاقتصادية لتعدد نشرات الصرف اللحظية

يشير الخبراء إلى أن تغير الأسعار عدة مرات في اليوم الواحد (مثل صدور 5 نشرات في يوم واحد تتراوح بين 14,200 و14,600 ليرة) ليس سلوكاً طبيعياً، بل يحمل دلالات هيكلية خطيرة يوضحها الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف بجامعة حماة:

1. تشظي السوق واحتكار المعلومات

تعدد النشرات في اللحظة نفسها (سعر التطبيق، الجملة، المفرق، الحوالات) يعكس تفكك هيكل السوق وتحوله إلى قنوات تداول منعزلة وخاضعة للمضاربين الكبار الذين يصنعون الأسعار بناءً على مصالحهم الشخصية بغياب مرجعية موحدة.

2. تكريس “الدولرة اللحظية”

توقف التجار تماماً عن التسعير الذهني بالعملة المحلية؛ حيث بات الدولار الأمريكي هو المقياس الفعلي لقيمة البضائع، ويتم تحويل السعر إلى الليرة لحظياً عند دفع الثمن. هذا التحول جرد الليرة السورية من وظيفتها الأساسية كـ “مخزن ومقياس للقيمة” وتحولت لمجرد أداة دفع آنية.

3. سيطرة التوقعات ذاتية التحقق

يتأثر السوق بالهشاشة النفسية للمتعاملين؛ فأي إشاعة أمنية أو سياسية تترجم فوراً إلى قفزة سعيرية. المحرك الأساسي هنا ليس العرض والطلب الحقيقي، بل “الطلب الاحترازي” المدفوع بالخوف من انهيار الغد.

جذور الأزمة: لماذا يتذبذب سعر الليرة السورية؟

تتداخل مجموعة من العوامل النقدية والجيوسياسية لتسريع وتيرة هبوط العملة، ويمكن تلخيصها في ثلاثة محاور:

  • أسباب نقدية وهيكلية: استمرار تمويل عجز الموازنة العامة عبر طباعة النقود (الاستدانة من المركزي) دون غطاء إنتاجي، بالتزامن مع غياب الاحتياطي الأجنبي الكافي للتدخل، وتحول منصة الحوالات الإلكترونية إلى سوق موازية جديدة أعمقت الفجوة بدلاً من ردمها.

  • بنية السوق واقتصاد الكاش: سيطرة “احتكار القلة” والمضاربين على قطاع الصرف، واعتماد الاقتصاد السوري بشكل شبه كامل على التعاملات النقدية (الكاش) خارج النظام المصرفي، مما يصعب تتبع الأموال.

  • رسوم الاستيراد والتهريب: هجرة رؤوس الأموال المستمرة للخارج بغرض التحوط، واضطرار المستوردين لتأمين الدولار من السوق السوداء لتسديد رسوم تخليص البضائع، مما يرفع الطلب على النقد الأجنبي.

كيف ينعكس تذبذب الصرف على الأسعار والمستهلك؟

تنتقل آثار هذا التذبذب مباشرة إلى الأسواق عبر عوائق تضر ببيئة الأعمال:

  1. صعوبة تحديد التكاليف: عجز المنتجين والمستثمرين عن وضع خطط قصيرة الأجل.

  2. ظهور “السعر المتغير”: اختلاف سعر السلعة الواحدة عدة مرات خلال اليوم، أو امتناع تجار عن البيع بانتظار استقرار السوق.

  3. التأثير المركب: تداخل أزمة الصرف مع عوامل أخرى مثل ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات وتكاليف النقل، مما يخلق ضغطاً مضاعفاً على القدرة الشرائية للمواطن.

الحلول المقترحة وأزمة هوية الاقتصاد السوري

تتباين الرؤى حول الهوية الاقتصادية الحالية لسوريا وعلاقتها بالحلول المتاحة:

الرؤية الاقتصادية للدكتور عبد الرحمن محمد الرؤية الاقتصادية للخبير محمد الحلاق
إصلاحات هيكلية ونقدية: إنشاء آلية شفافة لتحديد سعر مرجعي للعملات. استقرار التشريعات: تعديل القوانين بما يتناسب مع المرونة المطلوبة في المرحلة الانتقالية.
تفعيل القطاع المصرفي: تقليل الاعتماد على “الكاش” وضبط السياسة النقدية. تنظيم حركة السلع: تسهيل دخول وخروج المواد وتطبيق مبادئ اقتصاد السوق المنضبط.

ما هي هوية الاقتصاد السوري اليوم؟

لا يزال الجدل مستمراً حول ما إذا كان الاقتصاد السوري حراً أم موجهاً. وفي هذا الصدد، جاء الموقف الرسمي الحاسم ليؤكد عدم ملاءمة “اقتصاد السوق الحر” للواقع الحالي، حيث قال الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار إن “السياسة الاقتصادية في سوريا تقوم على حماية المنتج المحلي نوعاً ما.. نحن غير قادرين على فتح السوق بالكامل لأن إنتاجنا ضعيف، والانفتاح غير المدروس سيغرق الأسواق بالمواد المستوردة على حساب الإنتاج الوطني.”

إقرأ أيضاً: أزمة معيشية خانقة في دمشق: فجوة قياسية بين الأجور وتكاليف المعيشة عام 2026

إقرأ أيضاً: سوريا على قائمة بؤر الجوع العالمية.. الحرب والانهيار الاقتصادي يدفعان الملايين نحو أزمة غذائية أعمق

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.