سوريا على قائمة بؤر الجوع العالمية.. الحرب والانهيار الاقتصادي يدفعان الملايين نحو أزمة غذائية أعمق
بعد أكثر من عقد ونصف من الحرب والانهيار الاقتصادي وتآكل البنية الإنتاجية، تجد سوريا نفسها مجددًا في قلب خرائط الأزمات الإنسانية العالمية، بعدما أدرجها تقرير الإنذار المبكر المشترك الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي ضمن قائمة تضم 13 دولة مصنفة كـ”بؤر ساخنة للجوع”، مع تحذيرات من تدهور خطير في مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الفترة الممتدة بين حزيران وتشرين الثاني 2026.
ويأتي هذا التصنيف في وقت يعيش فيه نحو 266 مليون إنسان حول العالم تحت وطأة مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في مشهد يعكس اتساع أزمة الجوع عالميًا، لكن بالنسبة لسوريا، فإن الجوع لم يعد مجرد نتيجة لعوامل خارجية، بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لسنوات طويلة من الصراع، وتراجع الاقتصاد، وانهيار قطاعات الزراعة والإنتاج، وتدهور القدرة الشرائية للسكان.
النزاعات والحروب.. المحرك الأكبر لأزمات الغذاء
وأوضح التقرير، الصادر عن الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية، أن النزاعات المسلحة والعنف لا تزال العامل الرئيسي وراء تفاقم أزمات الغذاء في 12 دولة من أصل 13 دولة مدرجة ضمن قائمة البؤر الساخنة.
ولا تقف الأزمة عند حدود الحروب، بل تتداخل معها الصدمات الاقتصادية الحادة، والتراجع غير المسبوق في تمويل الاستجابة الإنسانية، إضافة إلى المخاطر المناخية المرتبطة بظاهرة “النينيو” التي قد تجلب موجات جفاف وفيضانات إلى مناطق تعاني أصلًا من هشاشة مزمنة وانهيار في أنظمة الإنتاج الغذائي.
وضمت قائمة الدول الأكثر عرضة لتفاقم الجوع إلى جانب سوريا كلًا من السودان وجنوب السودان واليمن وفلسطين والصومال ونيجيريا وتشاد وبوركينا فاسو ومالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وميانمار وهايتي.
سوريا.. أرض زراعية تتحول إلى ساحة لأزمة غذائية
رغم أن سوريا كانت لعقود إحدى الدول المنتجة للغذاء في المنطقة، فإن سنوات الحرب الطويلة حوّلت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى مناطق متضررة بفعل النزاع، فيما تراجعت القدرة على الزراعة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص المحروقات، وتدهور شبكات الري، وهجرة اليد العاملة، إضافة إلى الانقسام الإداري والاقتصادي الذي أعاق إدارة الموارد بشكل متكامل.
وبالتوازي مع ذلك، أدت موجات التضخم المتتالية وانخفاض قيمة الليرة السورية وتراجع فرص العمل إلى تآكل قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ليصبح الوصول إلى الغذاء تحديًا يوميًا لملايين السوريين، حتى في المناطق التي تتوافر فيها السلع داخل الأسواق.
وتعكس هذه المؤشرات انتقال الأزمة من مرحلة نقص الإمدادات فقط إلى أزمة أعمق تتعلق بالقدرة على الوصول إلى الغذاء، في ظل اتساع رقعة الفقر وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية.
أزمة تمويل تهدد استمرار المساعدات الإنسانية
وفي تطور يزيد المشهد قتامة، كشف التقرير عن انخفاض حاد في تمويل المساعدات الغذائية والزراعية والتغذوية في مناطق الأزمات، إذ تراجع التمويل العالمي بنحو 59% بين عامي 2022 و2025، ليعود إلى أدنى مستوياته منذ ما يقارب عقدًا كاملًا.
ويهدد هذا التراجع قدرة المنظمات الإنسانية على الاستمرار في تقديم الدعم، خاصة في دول مثل سوريا التي يعتمد فيها ملايين الأشخاص على المساعدات الإنسانية لتعويض انهيار مصادر الدخل وغياب فرص العمل والاستقرار الاقتصادي.
وفي هذا السياق، شددت نائبة المدير العام لمنظمة الفاو، بيث بيكدول، على أهمية التحرك المبكر والاستثمار في برامج دعم الزراعة والإنتاج المحلي، باعتبارها خطوة أساسية لتقليل الاحتياجات الإنسانية مستقبلاً وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.
كما دعا نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، إلى توفير تمويل عاجل يضمن استمرار عمليات الإغاثة ومنع دفع ملايين البشر نحو حافة المجاعة.
مستقبل غامض.. الجوع يضيف فصلًا جديدًا من معاناة السوريين
وإذا كانت الحرب قد سرقت من السوريين الأمن والاستقرار، فإن الأزمة الاقتصادية المتواصلة باتت تهدد أحد أبسط حقوقهم وهو القدرة على تأمين لقمة العيش. وبين تراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع الأسعار، وتآكل الأجور، وتراجع الدعم الإنساني، تبدو سوريا أمام مرحلة أكثر حساسية، حيث يتحول الجوع تدريجيًا من أزمة طارئة إلى واقع مزمن يهدد بنية المجتمع وقدرته على التعافي.
ومع استمرار غياب الحلول الاقتصادية الشاملة وضعف التمويل الدولي، تبقى التحذيرات الأممية بمثابة جرس إنذار جديد، يكشف أن طريق الخروج من الأزمة السورية لا يمر فقط عبر التسويات السياسية، بل يبدأ أيضًا بإنقاذ الاقتصاد وإعادة بناء القدرة المحلية على إنتاج الغذاء وتأمينه لملايين السوريين.
اقرأ ايضاً: أزمة تمويل تضرب “الأغذية العالمي”: تقليص المساعدات في سوريا يضع الملايين على حافة الجوع