المقاتلون الأجانب في سوريا: غارات إدلب تعيد الملف الشائك لواجهة أحداث ما بعد الأسد
أعادت الضربات الجوية الأخيرة التي استهدفت موقعاً عسكرياً لمقاتلي التركستان في ريف جسر الشغور بمحافظة إدلب، ليل 19-20 يونيو/ حزيران، فتح ملف المقاتلين الأجانب في سوريا. ويُصنف هذا الملف كأحد أكثر القضايا الأمنية والسياسية حساسية وتعقيداً منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، وبروز سلطة جديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع.
تفاصيل الضربات الجوية المنسوبة للتحالف الدولي في إدلب
شهدت محافظة إدلب في الأيام القليلة الماضية تحليقاً مكثفاً لطائرات الاستطلاع التابعة لقوات التحالف الدولي، والتي أسفرت عن ضربتين دقيقتين:
-
الاستهداف الأول: قُتل شخص في العقد الرابع من عمره إثر استهدافه بعدة صواريخ موجهة أثناء قيادته دراجة نارية على طريق مشهد روحين – دير حسان قرب الحدود السورية التركية.
-
الاستهداف الثاني: غارة جوية طاولت مقراً عسكرياً لمقاتلي التركستان (الحزب الإسلامي التركستاني من الإيغور) في مبنى مديرية الزراعة السابق بمنطقة الزعينية بريف جسر الشغور. وأشارت الأنباء إلى مقتل قيادي في تنظيم حراس الدين (التابع لتنظيم القاعدة) والذي كان قد حلّ نفسه رسمياً في 27 يناير 2026.
تاريخ العمليات الأميركية شمال غربي سوريا منذ 2025
تأتي هذه الهجمات استمراراً لسلسلة عمليات دقيقة نفذتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في المنطقة؛ حيث شهدت مرحلة ما بعد سقوط الأسد استهداف عدة قيادات متشددة بالتنسيق مع الحكومة السورية وقسد:
-
23 فبراير 2025: مقتل قيادي بارز في تنظيم “حراس الدين” بغارة مسيرة على طريق كللي – كفتين.
-
31 يناير 2025: مقتل القيادي محمد صلاح باستهداف سيارته عبر طائرة مسيرة من طراز على طريق إدلب – باب الهوى.
ديموغرافيا المقاتلين الأجانب: الأعداد والجنسيات
يُقصد بـ المقاتل الأجنبي في سوريا كل شخص غير سوري انخرط في العمليات العسكرية على مدار سنوات النزاع. ورغم تقلص أعدادهم بشكل ملحوظ بعد تغيير النظام وانحسار المعارك، تشير تقديرات مركز جسور للدراسات إلى أن عددهم الفعلي حالياً يتراوح بين 5 إلى 10 آلاف فرد مع احتساب عائلاتهم، وينتمون لـ 15 دولة على الأقل.
ويتركز هؤلاء المقاتلون أساساً في إدلب وأريافها، وينحدرون من عدة جنسيات أبرزها:
-
الإيغور (من الصين وآسيا الوسطى).
-
الأوزبك والكازاخ.
-
مقاتلون عرب من الأردن، ومصر، ودول الخليج.
-
مجموعات صغيرة من جنسيات أوروبية وأفريقية.
استراتيجية دمشق: الدمج والاحتواء لتفادي سيناريو “داعش”
تواجه الحكومة السورية الجديدة معضلة الموازنة بين الضغوط الدولية الرامية لتفكيك هذه المجموعات، وبين المخاطر الداخلية المترتبة على تهميشهم. وتتبنى دمشق سياسة تقوم على الاحتواء والدمج بدلاً من المواجهة المفتوحة، استناداً إلى الاعتبارات التالية:
-
الشرعية الشعبية والعسكرية: يرى الشارع الموالي والسلطة الجديدة في هؤلاء المقاتلين حلفاءً راكموا خبرات عسكرية كبيرة، وكانوا الأكثر ثباتاً في المعارك ضد النظام السابق.
-
مخاطر العمل السري: تخشى الحكومة أن يؤدي إقصاء هؤلاء المقاتلين إلى دفعهم نحو العمل السري أو الالتحاق بخلايا تنظيم داعش المتجددة.
-
تأسيس الفرقة 84: عملت وزارة الدفاع السورية على حل الفصائل المستقلة (كالتركستان وكتيبة البخاري) وإدماج عناصرها في تشكيل رسمي خاضع لقوانين الدولة وهو الفرقة 84، والتي نالت خطة دمجها (التي تضم 3500 مقاتل) قبولاً أميركياً مشروطاً بالشفافية لضمان السيطرة عليهم.
وقال الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في تصريح سابق إن “مشاركة هؤلاء المقاتلين كانت فردية وطوعية، وهم ملتزمون بالقوانين السورية ولن يشكلوا تهديداً لدول الجوار أو بلدانهم الأصلية”.
توترات ميدانية وضغوط تشريعية من واشنطن
رغم مساعي الاحتواء، تبرز عقبات ميدانية وسياسية مستمرة تؤكد أن الملف لم يُغلق بعد:
1. الاحتكاكات الأمنية الداخلية
شهد ريف إدلب في أكتوبر 2025 حملة أمنية ضد “فرقة الغرباء” بقيادة الفرنسي عمر ديابي (عمر أومسين) لإقامته محاكمة خاصة رفضاً لسلطة الدولة، وانتهت بحل مجموعته. وفي يونيو 2026 اندلعت توترات واحتجاجات مسلحة مع مقاتلين أوزبك إثر محاولة اعتقال أحدهم في مدينة إدلب، مما يعكس تحفّظ بعض التيارات المتشددة (مثل بقايا حراس الدين وأنصار الإسلام) على الخضوع التام لدمشق.
2. الضغوط الأميركية وموازنة الدفاع
يتجلى الموقف الدولي الحذر في مشروع قانون موازنة الدفاع الأميركية لعامي 2026 و2027 في الكونغرس، والذي يربط تقديم أي دعم دفاعي للحكومة السورية بجهودها في نزع سلاح المقاتلين الأجانب والجهاديين، توازياً مع استمرار غارات التحالف الدولي ضد العناصر المصنفة إرهابية.
خيارات الحكومة السورية المستقبلية
وفقاً للقراءات العسكرية والسياسية، تنحصر خيارات دمشق في التعامل مع هذا الملف الشائك ضمن ثلاثة مسارات أساسية:
وتشير المعطيات الحالية إلى أن دمشق ترفض خيار الطرد أو التسليم الفوري للدول الأصلية، مفضلةً مسار الإدماج المنظم لحماية السلم الأهلي الداخلي، والحد من استغلال التنظيمات المتطرفة لبيئة العزل.
إقرأ أيضاً: أزمة المقاتلين الأجانب في سوريا: بيانات الأوزبك تفجر الجدل حول دمج المهاجرين أو ترحيلهم
إقرأ أيضاً: أزمة المقاتلين الأجانب في سوريا: صدام الأوزبك مع سلطة الشرع ومخاوف الترحيل