كيف يعيش أبناء الطائفة العلوية في سوريا الجديدة بعد سقوط النظام؟
في سوريا اليوم، تحول الخوف من مجرد شعور عابر إلى نمط حياة يومي يلاحق أبناء الطائفة العلوية في معاقلهم التقليدية بالساحل السوري، وحمص، وريف حماة. لم يعد التوجس مرتبطاً بـ “أهوال الحرب التقليدية” وجبهاتها، بل بتحول مجتمعي ونفسي عميق. بات الهاتف المحمول، والاسم، وحتى الطرقات الضيقة مصدراً للقلق، وسط شعور جماعي بأنهم باتوا مكشوفين تماماً أمام مجتمع غاضب يختزلهم في قوالب جاهزة مثل “الفلول” أو “أيتام الأسد”.
هذا التحول لم يغير المشهد السياسي الفوقي فحسب، بل أعاد تشكيل الوعي الاجتماعي؛ حيث تُباع البيوت بصمت، وتُغير النساء مسارات حركتهن، وتعيش الأمهات ترقباً قاتلاً بانتظار رسائل تطمئنهم على حياة أبنائهم.
إقرأ أيضاً: حملة لست شجرة: مقاطعة طائفية تهدد السلم الأهلي بسوريا
واقع الساحل وحمص: غياب التمييز بين “النظام” و”المواطن”
بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق بشار الأسد، سادت آمال عريضة بدخول البلاد مرحلة جديدة من الأمان. لكن القراءة الميدانية داخل الطائفة العلوية تعكس واقعاً مغايراً تماماً يسوده شعور بـ “المراقبة الدائمة والاتهام المفتوح”.
جغرافيا القلق اليومي
-
مدن الساحل (اللاذقية، طرطوس، جبلة، بانياس): تحولت المقاهي التي كانت تضج بالنقاشات السياسية إلى مساحات للصمت والحذر المفرط.
-
أحياء حمص (عكرمة والزهراء): يتولّد الخوف هنا من إحساس دائم بأن أي توتر أمني طارئ قد يتحول سريعاً إلى استهداف جماعي قائم على الهوية.
شهادات من الميدان:
يقول محمد (اسم مستعار من ريف جبلة): “حتى وأنا أشتري الخبز أشعر أنني مراقب، صار الإنسان يفكر ألف مرة قبل نطق أي كلمة“.
يضيف حسين (موظف من ريف بانياس): “تشعر أحياناً أن اسمك وحده كافٍ ليعاملوك كمُتهم“.
رعب النساء العلويات: سيكولوجية الشائعة والانتهاك
تعتبر النساء الفئة الأكثر تأثراً بهذا المناخ النفسي الخانق، حيث تحولت قصص الخطف والاختفاء من مجرد أخبار على منصات التواصل الاجتماعي إلى هوس يومي يدير حركة العائلات.
قضايا أشعلت الذعر الجماعي
تُبرز الحوادث الأخيرة كيف تصنع الشائعة واقعاً أقوى من الحقيقة في بيئة يملؤها الشك:
-
قضية بتول سليمان علوش (بانياس): أثار اختلاط الروايات حول اختفائها وظهورها اللاحق بالحجاب حديثاً واسعاً عن ضغوط نفسية وأمنية، وتُرجمت الحادثة داخل الوعي الجمعي الساحلي كدليل على التهديد المحدق بالنساء في “سوريا الجديدة”.
-
قضية ميرا ثابت جلال (ريف حمص): تضارب الأنباء بين الهروب الطوعي والاختطاف القسري، وتزامن ذلك مع مقتل والدها، عزز رواية القلق المستدام وصعوبة التمييز بين الحوادث الجنائية الفردية والاستهداف الطائفي.
حمص.. “المدينة التي تخاف نفسها” والهجرة الصامتة
في حمص، يبدو المشهد أكثر تعقيداً وكثافة نتيجة الإرث الثقيل للحرب. هناك، تحولت حوادث العقارات والجرائم الفردية إلى محفزات للهجرة السريعة.
-
نموذج حي: اضطرت عائلة الشاب “أسعد علي” لبيع منزلها في حي عكرمة ومغادرة المدينة نهائياً، بعد ضغوط تعرضت لها شقيقاته للخروج من منزلهن، وتواتر أنباء عن إدراج اسمه في قوائم تدقيق أمني بسبب علاقات سابقة.
-
النتيجة: بدأت مئات العائلات في ريف حمص وحماة ببيع أراضيها وممتلكاتها بصمت، لتمويل “هجرة صامتة” نحو الخارج، مدفوعةً بالخوف على المستقبل الشخصي وليس بالأزمات الاقتصادية فحسب.
منصات التواصل الاجتماعي: غرف صناعة الخوف الجماعي
تلعب الصفحات المحلية ومجموعات “واتسآب” المغلقة دوراً محورياً في تضخيم الرعب. تتحول الإشاعة غير الموثقة خلال ساعات إلى سلطة تقيد حركة المجتمع:
-
خطاب التعميم: يساهم الفضاء الرقمي في تعميم صورة نمطية تختزل مجتمعاً متنوعاً (مثل طرطوس المعروفة تاريخياً بنسب التعليم العالية والطبقة الموظفة الكادحة) في كتلة طائفية واحدة تُحاسب بجريرة “الشبيحة”.
-
الأثر النفسي الفوري: اتخاذ قرارات مصيرية (مثل منع الفتيات من ارتياد الجامعات أو السفر) بناءً على تسجيلات صوتية أو منشورات مجهولة المصدر.
تداعيات غياب العدالة الانتقالية ومستقبل السلم الأهلي
يرى خبراء وباحثون في ملف العدالة الانتقالية أن المعضلة الحالية تنبع من غياب مسار قانوني ومؤسساتي واضح للمحاسبة بعد سقوط النظام.
| المظهر الاجتماعي للخوف | النتيجة المستقبليّة |
| تقييد حركة النساء وانغلاق العائلات | تحول “الخوف” إلى هوية مجتمعية واجتماعية يومية. |
| تعميم الاتهام على الطائفة ككتلة | تغذية خطاب الانتقام ودورات عنف جديدة. |
| غياب الحماية القانونية للمجتمعات المحلية | تصاعد وتيرة الهجرة وإفراغ البلاد من كفاءاتها. |
خلاصة واستشراف: نحو سوريا تحمي الجميع
إن بناء “سوريا الجديدة” لا يمكن أن يمر عبر بوابات الانتقام وتعميم الذنب على جماعة كاملة، أو ترك النساء يعشن تحت وطأة الرعب والانتهاكات العشوائية.
ما تحتاجه البلاد اليوم هو عدالة انتقالية حقيقية تطبق القانون بحزم، وتحمي الإنسان بصفتة الفردية المواطنية، بعيداً عن مرجعياته الطائفية. فالمجتمعات التي تُبنى على الرعب لا تنتج الاستقرار، بل تورث الخوف للأجيال القادمة وتؤسس لجولات قادمة من العنف والعنصرية.
إقرأ أيضاً: تصاعد التحريض الطائفي الرقمي في سوريا: اتهامات مستشفى تشرين وصيدنايا تثير الجدل
اقرأ أيضاً: حماة.. 11 قتيلاً وجريحاً علوياً في اعتداءات طائفية وسط غياب الردع