الأسعار تفرض على السوريين خطة “المواد الممنوعة” واستهلاك المواد التالفة
داما بوست - يمان العبود
في ظل انعكاسات الأزمة الاقتصادية المتعاقبة وتداعيات التغيرات الأخيرة في سوريا، تجد العائلات السورية نفسها مجبرة على خوض صراع يومي مرير لتأمين أبسط مقومات البقاء. ومع تآكل القدرة الشرائية وثبات الدخل المحدود أمام الارتفاع الجنوني للأسعار وفوضى الأسواق، تحولت موائد السوريين إلى مساحة ضيقة للمفاضلة بين الضروريات، وبات شبح الجوع والتقشف القاسي يطارد آلاف الأسر التي غدت عاجزة حتى عن شراء أبسط الاحتياجات الأساسية.
تتجه “أسماء الأحمد”، إلى سوق الهال في ساعات متأخرة من النهار لتحصل على ما تحتاجه من الخضار بعد أن يكون الباعة قد قرروا بيع ما تبقى من بضائعهم بأسعار أقل من التي تحدد في ساعات الصباح، وغالبا ما تكون هذه الخضار قريبة من التلف وهي مما يسميه الباعة بـ “البواقي”، وتقول السيدة التي تعيل أسرة من خمسة أشخاص في حديثها لشبكة “داما بوست”: لا أستطيع تحمل تكاليف الخضار واتجه مع مجموعة من النسوة اللواتي يعشن في ذات الحي إلى السوق في ساعات المساء لأننا سنحصل على خضار رخيصة حتى وإن كانت نوعيتها ليست بالدرجة المقبولة، لكن الدخل الشهري الذي لا يزيد عن مليون ليرة سورية قديمة لا يسمح بأكثر من ذلك، خاصة وإن حياتنا باتت مرهونة بقلة الدخل مع ارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية في الأسواق، يضاف إلى ذلك أسعار الكهرباء التي بتنا نخشى من تشغيل حتى المراوح كيلا نضطر لدفع مبالغ طائلة في نهاية المطاف.
مواد ممنوعة
اختفى زوج السيدة منى خلال الأيام الأولى لسقوط النظام، وهي حالياً لا تعرف عنه شيئاً وتسمع إنه من بين الموقوفين في السجون السورية لكونه كان عسكرياً، وتوقيفه على الرغم من إنه كان يؤدي الخدمة الاحتياطية، وتقول لـ داما بوست: أزيد من عام ونصف وأنا أعيل أسرتي وأعمل في وظيفتين لأتمكن من تأمين أجار المنزل ومستلزمات أطفالي الثلاثة، وهناك الكثير من المواد باتت بالنسبة لي من الممنوعات بسبب الأسعار، فمثلاً طيلة عام ونصف لم اشتر أي نوع من اللحوم، واعتمد على مساحيق التنظيف الرخيصة، وغالبا ما احتاج للمساعدة المادية من عائلتي أو عائلة زوجي لأتمكن من تلبية احتياجات الأسرة وفي ظل الارتفاعات المستمرة في الأسعار هناك الكثير من المواد التي باتت بحكم الممنوعة بالنسبة لي، خاصة المعلبات والأطعمة الجاهزة والملابس الجديدة، والاعتماد الكلي بالنسبة لي على الملابس المستعملة التي تعرف باسم البالة.
ويكسب علي الأسعد دخله من بيع الخبز على الطرقات بعد أن فصل من وظيفته في وزارة الكهرباء بدون سبب واضح، ويقول في حديثه لـ داما بوست: الأسعار اليوم باتت مشكلة كبيرة جداً، لا يوجد أي مادة متاحة تقريبا، وكل ما يحتاج المرء شراؤه يجب أن يوضع ضمن خطة شراء صارمة تؤمن استمرارية تأمين احتياجات اسرتي من المواد الأساسية، وبعد ساعات طويلة من العمل في ظروف صعبة أتمكن من تحصيل مربح يومي يقترب من 50 ألف ليرة سورية، وهذا الرقم لا يكفي لولا خطة الاستغناء عن الكثير من المواد مثل اللحوم والفواكه والحلويات والملابس الجديدة، وفي محاولتي لجعل أطفالي لا يحسون بالنقص أقوم بتوفير بعض المال على مدى يومين أو ثلاثة لأتمكن من شراء كمية قليلة من الفواكه أو حتى ما يسميه الأطفال بـ “الأكلات الطيبة”، كالبسكوت والشيبس، وطالما الدولة لا تضع حلولاً لمسألة الأسعار وإعادة الموظفين المفصولين لأعمالهم، وإقامة العدالة في الرواتب بين الموظفين القدامى والقادمين من إدلب، فإن الجزء الأكبر من الأسر السورية لن تجد ما تسد به جوع أطفالها.
الدولار مشكلة
“أبو يزن”، الذي يمتلك محل للبقالة في منطقة المزة، يقول في حديثه لـ داما بوست إن تجار الجملة والموزعين يتعاملون مع الأسعار بمزاجية السوق السوداء الخاصة بالعملة الأجنبية، وغالباً ما يكون ثمة ارتفاع في أسعار الجملة للمواد الأساسية مع أي ارتفاع في سعر الصرف، لكن لا يكون ثمة أي انخفاض في الأسعار إذا ما تحسن سعر صرف الليرة السورية، وعلى الرغم من محاولتنا كـ باعة وأصحاب محال بقالة أن نتعاون مع الناس ونقبل بالحدود المقبولة من الأرباح لنتمكن من الاستمرار، إلا أن الكثير من الأسر تخلت عن عدة مواد كانت أساسية فيما مضى، إذ إن عدداً كبيراً من الزبائن لا يقبلون على المعلبات أو حتى مشتقات الحليب إلا في حالات الضرورة القصوى.
ويضيف أبو يزن بالقول: كما إن استهلاك مادة مثل البيض قل عما سبق بسبب عدم قدرة الأسر على الاستمرار في استجرار مثل هذه المواد، كما إن الملاحظ أن غالبية الزبائن يفضلون البضائع الرخيصة حتى وإن كانت من جودة أقل، وهناك بعض الأسر تعتمد على الكميات القليلة والتي تلبي الاحتياج الآني فمثلا، هناك من عاد لشراء نصف كيلو من السكر أو حتى أقل من هذه الكمية، والسبب يكمن في ارتفاع الأسعار مع قلة مصادر الدخل خاصة للموظفين المفصولين بعد سقوط النظام والذين بات غالبيتهم يعملون في الأسواق كعمال أو باعة خبز أو أي مهنة يمكن أن تقدم مصدراً للدخل بأي رقم كان.
بالمقابل يقول سعيد محمد الذي يعمل موزعاً بالجملة لصالح إحدى الشركات، في حديثه لـ داما بوست: التجار والمستوردون يحققون أرباحاً خيالية بسبب لعبة أسعار الصرف في السوق السوداء، فقبل سقوط النظام كان سعر صرف الدولار حوالي 15 ألف ليرة سورية، والمادة التي كانت قيمتها في ذلك الوقت تباع بسعر يعادل دولار واحد باتت اليوم تباع بسعر 30 ألف ليرة سورية، وعلى أسعار الصرف المعمول بها حاليا فهي تعادل أكثر من 3 دولارات، إذا المشكلة ليست في سعر الصرف لكن في رغبة التجار بالاستفادة من الفوضى الحاصلة في الأسواق وقلة الرقابة وبالتالي تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح، وعملهم يقوم على قاعدة بسيطة تقول إنه طالما المواطن يشتري المادة بأي سعر كان فلا مانع من الزيادة المستمرة.
إقرأ أيضاً: تراجع القدرة الشرائية في سوريا.. قفزة جديدة بأسعار المحروقات تُشعل مخاوف الغلاء
إقرأ أيضاً: النشل يفرض سطوته على أسواق إدلب.. انفلات أمني يكشف عجز الحكومة عن حماية المواطنين