من الغذاء إلى الوقود.. كيف تنتقل صدمات الأسعار العالمية إلى السوق السورية؟

تواجه السوق السورية ضغوطاً متزايدة مع عودة أسعار الغذاء العالمية إلى الارتفاع، في وقت تتقاطع فيه كلفة الطاقة والأسمدة والشحن مع اعتماد سوريا على الاستيراد وضعف القدرة الشرائية للأسر. وبينما لا تشير المعطيات الحالية إلى تكرار أزمة الغذاء العالمية التي بلغت ذروتها عام 2022، فإن ارتفاع تكلفة السلع والمدخلات والنقل قد يجعل انعكاس الصدمات الخارجية أكثر وضوحاً داخل السوق السورية.

وسجل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” لأسعار الغذاء 136 نقطة في أيلول/سبتمبر الماضي، بزيادة قدرها 1.5% عن آب/أغسطس و5.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ليبلغ أعلى مستوى له منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2022.

ولا ترتبط المخاوف السورية بحجم المعروض العالمي وحده، إذ إن كلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، إلى جانب قدرة المستهلك على تحمل أسعارها، تشكل عاملاً حاسماً في تحديد حجم التأثير.

ارتفاع عالمي تقوده الحبوب والزيوت

جاء صعود مؤشر “الفاو” في أيلول مدفوعاً بشكل أساسي بارتفاع أسعار الحبوب والسكر والزيوت النباتية، في ظل اضطرابات في حركة التجارة والنقل، ومخاوف مرتبطة بالطقس، إضافة إلى تداعيات التوترات في منطقة الشرق الأوسط ومضيق هرمز.

وخلال شهر واحد، ارتفع مؤشر أسعار الحبوب بنسبة 5.1%، بينما زاد سعر القمح عالمياً 6.3% والذرة 5.6%.

ومع ذلك، لا تعني هذه المؤشرات أن الأسواق العالمية تتجه حتماً إلى أزمة مماثلة لأزمة 2022. وتتوقع “الفاو” أن يصل إنتاج الحبوب العالمي خلال 2026 إلى نحو 2.979 مليار طن، بانخفاض 2.1% عن إنتاج 2025، لكنه سيظل ثاني أعلى مستوى مسجل.

كما تقدر المنظمة المخزونات العالمية بنحو 950 مليون طن، مع وصول نسبة المخزونات إلى الاستخدام إلى 31.7%، وهي مستويات تشير إلى استمرار وجود إمدادات عالمية، حتى مع ارتفاع الأسعار.

سوريا أكثر تأثراً بكلفة الاستيراد

يرى الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر أن ارتفاع أسعار الغذاء العالمية سينعكس على سوريا، بالنظر إلى انكشاف الاقتصاد المحلي على الأسواق الخارجية واعتماده على الاستيراد لتأمين أكثر من 70% من المواد الغذائية، بحسب تصريحات نقلتها صحيفة “الثورة”.

ويشير اسمندر إلى أن ارتفاع الأسعار العالمية ينتقل إلى السوق السورية من خلال زيادة فاتورة الاستيراد، فيما يضيف توسع استخدام بعض المحاصيل لإنتاج الوقود الحيوي ضغطاً آخر على الأسعار، نتيجة المنافسة بين استخدام المحاصيل لتأمين الغذاء واستخدامها كمصدر للطاقة.

وتظهر هذه المنافسة بصورة خاصة في الذرة والزيوت النباتية. ووفق بيانات وزارة الزراعة الأميركية، يمثل إنتاج الإيثانول أحد الاستخدامات الصناعية الرئيسية للذرة في الولايات المتحدة، وتجاوزت حصة الذرة المستخدمة لهذا الغرض 40% من إجمالي استخدام الذرة الأميركية خلال السنوات الأخيرة.

وفي نيسان/أبريل 2026، ارتفع مؤشر “الفاو” لأسعار الزيوت النباتية بنسبة 5.9% على أساس شهري، مع زيادة أسعار زيت النخيل والصويا ودوار الشمس واللفت. وذكرت المنظمة أن الطلب من قطاع الوقود الحيوي كان أحد العوامل التي دعمت أسعار زيت النخيل.

الوقود الحيوي يضيف ضغطاً إلى أسعار الغذاء

يضع الخبير الاقتصادي خالد الحمدي ارتفاع الطلب العالمي على الوقود الحيوي ضمن العوامل التي يمكن أن تزيد المنافسة بين قطاعي الغذاء والطاقة، خصوصاً بالنسبة إلى الذرة والزيوت النباتية وفول الصويا.

وبحسب الحمدي، فإن زيادة استخدام هذه المحاصيل في إنتاج الإيثانول أو الديزل الحيوي يمكن أن ترفع أسعارها في الأسواق العالمية، قبل أن ينتقل أثر ذلك إلى الدول التي تعتمد على الاستيراد، ومنها سوريا.

ولا يقتصر التأثير على سعر السلعة نفسها، إذ يوضح الحمدي أن ارتفاع أسعار الغذاء قد يترافق مع زيادة فاتورة الاستيراد بالدولار، وتكاليف الأعلاف والصناعات الغذائية والنقل والطاقة والتأمين.

ويعتبر أن مصدر القلق بالنسبة إلى الاقتصاد السوري يتمثل في تزامن عدة عوامل في وقت واحد، تشمل أسعار الغذاء والشحن والوقود والتأمين وسعر الصرف، بدلاً من التعامل مع ارتفاع منفرد في سعر سلعة معينة.

تحسن الإنتاج السوري لا يلغي الحاجة إلى الاستيراد

تأتي هذه الضغوط الخارجية في وقت سجل فيه القطاع الزراعي السوري تحسناً خلال موسم 2026، بعد هطولات مطرية غزيرة ساعدت على تعافي المحاصيل من آثار الجفاف.

وتقدر “الفاو” إنتاج سوريا من القمح خلال 2026 بنحو 2.7 مليون طن، بزيادة تتجاوز 50% عن متوسط السنوات الخمس السابقة، وهو أعلى مستوى للإنتاج منذ عام 2020.

لكن زيادة الإنتاج المحلي لا تعني انتهاء حاجة سوريا إلى الأسواق الخارجية. وتتوقع “الفاو” أن تصل احتياجات البلاد من واردات الحبوب خلال موسم 2026/2027 إلى نحو 2.8 مليون طن، بينها قرابة مليوني طن من القمح.

وبذلك، يوفر تحسن الإنتاج المحلي هامشاً إضافياً أمام السوق السورية، لكنه لا يلغي تعرضها لتقلبات الأسعار العالمية، خصوصاً مع استمرار الحاجة إلى استيراد كميات كبيرة من الحبوب.

الأسمدة والطاقة يهددان كلفة الإنتاج

يمثل ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية تحدياً آخر أمام استمرار التحسن في الإنتاج المحلي. ووفق شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET)، من المتوقع أن تبقى أسعار الأسمدة في سوريا أعلى من متوسطاتها، ما قد يدفع بعض المزارعين إلى خفض استخدامها، وبالتالي يؤثر في إنتاجية المحاصيل خلال الموسم التالي.

وعالمياً، يتوقع البنك الدولي ارتفاع أسعار الأسمدة بأكثر من 30% خلال 2026، مع زيادة تقارب 60% في أسعار اليوريا، نتيجة اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة.

وحذر البنك الدولي من أن استمرار اضطرابات الشحن والطاقة يمكن أن يضيف ضغوطاً جديدة على أسعار الغذاء، مع تأثير أكبر على الاقتصادات التي تعتمد على استيراد السلع الأساسية.

وفي الحالة السورية، يربط الحمدي بين أسعار الطاقة وكلفة الإنتاج الزراعي عبر سلسلة تبدأ من الوقود المستخدم في عمليات الري والنقل، وتمتد إلى الأسمدة والمدخلات الزراعية، وصولاً إلى سعر المحصول.

ويشير إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج قد يدفع المزارعين إلى تقليص استخدام الأسمدة أو خفض المساحات المزروعة، ما يمكن أن يؤثر في الإنتاجية ويزيد الحاجة إلى الاستيراد، في وقت تكون فيه الأسواق العالمية نفسها تحت ضغط الأسعار.

ارتفاع الأسعار ينعكس على الأسر السورية

تظهر آثار هذه العوامل في أسعار عدد من المواد الأساسية داخل السوق السورية. ووفق بيانات “الفاو”، كانت أسعار دقيق القمح والأرز في حزيران/يونيو الماضي أعلى بنسبة 34% و32% على التوالي مقارنة بالعام السابق.

كما ارتفعت تكلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق بأكثر من 30%، بالتزامن مع وصول التضخم السنوي في سوريا إلى 40.5% خلال الشهر نفسه، وفق المركز السوري لبحوث السياسات.

وتكتسب هذه الزيادات أهمية أكبر في ظل اتساع نطاق الهشاشة الغذائية. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 13.3 مليون شخص في سوريا يواجهون انعدام الأمن الغذائي، بينهم 7.2 مليون شخص يعانون من انعدام أمن غذائي حاد.

وتؤكد “الفاو” أن ارتفاع أسعار الغذاء والنقل، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، لا يزال يحد من قدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء، رغم التحسن الذي سجلته الزراعة السورية خلال موسم 2026.

بين تحسن الإنتاج ومخاطر الصدمات الخارجية

بالنسبة إلى سوريا، لا تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار الغذاء العالمية على أسعار الحبوب والزيوت، بل تمتد إلى منظومة أوسع تشمل الطاقة والأسمدة والشحن والتأمين وسعر الصرف وتكاليف الاستيراد.

ويجعل تزامن هذه العوامل قدرة الأسر على تحمل ارتفاع الأسعار أكثر حساسية، كما قد يضغط على المزارعين إذا ارتفعت كلفة الإنتاج إلى مستويات تحد من استخدام المدخلات الزراعية أو توسع المساحات المزروعة.

ويرى الحمدي أن مواجهة هذه الضغوط تتطلب إجراءات تتجاوز الاستجابة المؤقتة للأزمات، بينها بناء مخزون استراتيجي، ودعم الإنتاج الزراعي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتأمين التمويل والنقل، والعمل على خفض كلفة الطاقة والأسمدة.

وفي المقابل، يمثل ارتفاع إنتاج القمح والمحاصيل خلال 2026 فرصة لتقليل جزء من اعتماد سوريا على الأسواق الخارجية. غير أن تحويل هذا التحسن الموسمي إلى قدرة أكثر استقراراً على مواجهة صدمات الغذاء يبقى مرتبطاً بقدرة السياسات الزراعية والاقتصادية على دعم الإنتاج والحفاظ على استمراريته.

اقرأ أيضاً:غلاء المحروقات يرفع كلفة الغذاء في سوريا.. الأسرة تدفع فاتورة الطريق من الحقل إلى السوق

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.