غلاء المحروقات يرفع كلفة الغذاء في سوريا.. الأسرة تدفع فاتورة الطريق من الحقل إلى السوق

لم تعد زيادة أسعار المحروقات في سوريا تتوقف عند محطة الوقود. فمن الحقل الذي يحتاج إلى المازوت لتشغيل مضخات الري والآليات، إلى الشاحنة التي تنقل المحصول، ثم أسواق الجملة والتجزئة، تتسع دائرة الكلفة قبل أن تصل السلعة إلى منزل المستهلك. وفي النهاية، تجد الأسرة نفسها أمام أسعار غذائية أعلى ودخل لا يواكبها، فتتنقل بين الأسواق بحثاً عن فرق بسيط قد يخفف جزءاً من العبء.

سامية مسعود واحدة من آلاف الأسر التي باتت تقارن الأسعار قبل الشراء، وتنتقل من سوق إلى آخر بحثاً عن الخضار والفواكه والمواد الغذائية الأقل سعراً. ولم يعد هذا السلوك خياراً استهلاكياً، بل وسيلة للتكيف مع تراجع القدرة الشرائية واتساع كلفة المعيشة.

المازوت يبدأ من الحقل ولا ينتهي عند البائع

رفعت وزارة الطاقة سعر ليتر المازوت إلى 175 ليرة، مقابل 195 ليرة لبنزين أوكتان 95 و185 ليرة لأوكتان 90، كما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلية إلى 1600 ليرة والصناعية إلى 2570 ليرة.

لاحقاً، طرحت الوزارة ثلاثة أنواع من المازوت بأسعار مختلفة بحسب الاستخدام، بينها مازوت مدعوم بسعر 115 ليرة للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، وآخر بسعر 150 ليرة للاستخدامات الإنتاجية والخدمية، إلى جانب المازوت القياسي بسعر 175 ليرة.

لكن تعدد الأسعار لا يلغي المشكلة الأساسية: كلفة الوقود دخلت بالفعل في حسابات الإنتاج والنقل والخدمات، فيما بقيت الأسرة في نهاية السلسلة الحلقة الأضعف.

وفي أسواق دمشق، أظهرت جولة ميدانية تفاوتاً محدوداً بين الأسواق، مع بقاء الأسعار مرتفعة عموماً. وسجلت الخضار والفواكه زيادات ملحوظة، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسب تراوحت بين 20 و30% بحسب الصنف.

النقل يضاعف الكلفة

يرتبط جزء أساسي من هذه الزيادة بكلفة نقل المنتجات. ويوضح المحلل الاقتصادي سامر مصطفى أن المازوت يدخل في تشغيل الجرارات ومضخات الري والشاحنات ووسائل النقل المبردة وغير المبردة، ما يجعل ارتفاعه ينتقل تدريجياً عبر سلسلة الإنتاج والتوزيع.

وارتفعت أجرة نقل الحمولة من درعا إلى دمشق، وفق المعطيات الواردة في المادة، من 13 ألف ليرة إلى نحو 25 ألفاً، فيما ارتفعت من الساحل إلى دمشق من 15 ألفاً إلى نحو 30 ألف ليرة جديدة كحد أدنى.

لكن الزيادة في أجور النقل لا تعني بالضرورة زيادة مماثلة في سعر الكيلوغرام. فالشحنة الكبيرة توزع كلفة النقل على أطنان من المنتجات، كما أن سرعة تلف الخضار والفواكه تحد من قدرة التجار على رفع الأسعار بلا سقف خوفاً من تراجع الطلب.

ويقدم قطاع الشحن مثالاً آخر؛ إذ ارتفعت أجرة نقل شاحنة من معبر نصيب إلى دمشق من نحو 300 إلى 400 دولار، لكن توزيع الزيادة على حمولة تبلغ 25 طناً يجعل أثرها المباشر في الكيلوغرام محدوداً.

المشكلة في تراكم الكلفة

لا تنتقل زيادة المحروقات من محطة الوقود إلى المستهلك بصورة حسابية مباشرة. فالسعر النهائي يتشكل من الإنتاج والري والعمالة والتوضيب والتخزين والنقل والعمولات وهوامش البيع، وكل زيادة في حلقة قد تنتقل إلى الحلقة التالية.

ويشرح أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق مظهر يوسف أن هناك مسارين لتأثير المحروقات: كلفة مباشرة ترتبط بالنقل والتشغيل، وأخرى غير مباشرة تدخل في إنتاج معظم السلع والخدمات. ومع غياب آلية دقيقة تحدد حصة الطاقة من السعر النهائي، قد تتحول الزيادة إلى تقديرات وهوامش متفاوتة بين التجار.

كما يمكن لما يسميه يوسف “التأثير التراكمي والنفسي” أن يدفع بعض الأسعار إلى الارتفاع بأكثر من نسبة زيادة الوقود، سواء نتيجة توقع زيادات جديدة أو محاولة بعض حلقات التجارة حماية هوامشها.

الأسرة تختصر احتياجاتها

المشكلة الأعمق لا تكمن في سعر البندورة أو أجرة الشاحنة منفردة، بل في الفجوة المتسعة بين كلفة الغذاء ودخل الأسرة. فعندما ترتفع الأسعار من دون زيادة مماثلة في المداخيل، يصبح تقليص الاستهلاك النتيجة الأكثر مباشرة: كميات أقل، أصناف أرخص، فاكهة أقل، ومنتجات كانت عادية في سلة الأسرة تتحول إلى مشتريات مؤجلة.

وهنا تبدو المعالجة الرسمية عاجزة عن الوصول إلى أصل المشكلة. فتعدد شرائح المازوت قد يعيد توزيع الكلفة، لكنه لا يلغي ارتفاعها، والرقابة على الأسواق لا تستطيع وحدها خفض سعر سلعة ترتفع كلفتها عبر مراحل الإنتاج والنقل والتخزين.

وتحتاج الأسر، وفق ما يطرحه الخبراء، إلى حماية مباشرة لقدرتها الشرائية، بالتوازي مع دعم الإنتاج الزراعي وضبط هوامش التداول وتحسين كفاءة النقل وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر هشاشة.

أما استمرار تحميل ارتفاع الكلفة للسوق والمستهلك، فيعني أن فاتورة المحروقات ستبقى تتنقل من الحقل إلى الشاحنة، ومن الشاحنة إلى المتجر، إلى أن تستقر في النهاية على مائدة الأسرة السورية.

 

اقرأ أيضاً: تكاليف المعيشة في سوريا تتجاوز قدرة الأسر.. فجوة كبيرة بين الرواتب والأسعار

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.