لماذا يفضل نازحو ريف حماة البقاء في خيام إدلب بعد سقوط النظام؟
داخل مخيم الأخوة الواقع قرب قرية كفريحمول شمالي إدلب، تكاد الحركة تنعدم وقت الظهيرة. تحت أشعة الشمس الحارقة، تلوذ أكثر من 200 عائلة نازحة من ريف حماة بخيام مهترئة انتهى عمرها الافتراضي منذ سنوات. هذا المكان الذي أُسس قبل نحو 8 سنوات كمركز إقامة مؤقتة، تحول بفعل الواقع القاسي إلى موطن دائم للاجئين يفرون من دمار قراهم الأصلية.
صدمة العودة الأولى.. القرى سُوّيت بالأرض والبنية التحتية معدومة
يتذكر حسين حمداوي العاصي، النازح منذ عام 2012 من قرية كراح بريف حماة الشمالي، كيف تعرّضت بلدته لقصف مدفعي وغارات جوية عنيفة إبان المعارك السابقة. ورغم سقوط النظام السوري، إلا أن زيارته الأولى لقريته رفقة إخوته صدمته تماماً وجعلته يفضل العودة فوراً إلى المخيم.
يقول حسين لـ”العربي الجديد”: “بعد تحرير سوريا ذهبتُ إلى قريتي مرة واحدة فقط، لم نتحمل المشاهد بتاتاً فعدنا إلى المخيم.. الأبنية سُوّيت بالأرض، المدارس والمراكز الصحية دُمّرت، وحقول الزيتون والفستق الحلبي تحولت إلى ندوب”.
ويضيف أن العيش في المخيم يبقى الخيار المتاح للنجاة؛ نظراً لتوافر الحد الأدنى من الخدمات كالمياه، المستشفيات القريبة، والخبز، بالإضافة إلى توافر فرص العمل اليومي (بالمياومة)، بينما تنعدم الحياة تماماً في القرى المدمّرة.
جيل الخيام.. أطفال كبروا وظنوا أن الأقمشة الممزقة هي “البيت”
يواجه الآباء في المخيم معضلة تآكل الذاكرة لدى أطفالهم. حسين، وهو أب لأربعة أولاد وُلدوا جميعاً في النزوح، يحاول مراراً إخبارهم عن تفاصيل بيته وأرضه القديمة، لكنهم يكبرون وهم يظنون أن الخيمة هي المنزل الحقيقي، ملخصاً مأساته بعبارة: “العيش في الخيام صعبٌ، لكنّ الحياة فوق الركام غير ممكنة”.
تعب العمر تحول إلى ركام.. شهادة ثمانينية من ريف حماة الشرقي
وفي خيمة مجاورة غربي المخيم، يعيش الحاج أحمد إسماعيل العلي (80 عاماً) وزوجته المنحدران من قرية قصر علي بريف حماة الشرقي. يعبر أحمد بنبرة حازمة عن غضبه جراء ضياع جنى عمر أبنائه السبعة الذين بنوا سبعة بيوت تحولت كلها إلى ركام وحجارة مبعثرة.
أما زوجته الثمانينية “حاجة العلي”، فتدمع عيناها وهي تستذكر تفاصيل منزلها الواسع الغني بمؤونته ومطبخه الذي كان يجمع الأبناء والأحفاد، قائلة: “الأصعب والأقسى من دمار الحجارة هو دمار الذكريات والفقد داخل بيوتنا ومزارعنا هناك.. حتى مقابرنا تكسرت شواهدها”.
تحديات التعليم والفقر تلاحق أطفال المخيمات
تتجلى مرارة اللجوء المستمر في قصة أسماء الخلداوي، كنة العائلة وأم لست فتيات. تستعيد أسماء حكاية بيتها الذي بناه زوجها بعد 14 عاماً من العمل الشاق في لبنان، ليعيشوا فيه عامين فقط قبل النزوح.
اليوم، يعمل زوجها بأجر أسبوعي زهيد يقارب 70 دولاراً، وهو مبلغ بالكاد يغطي المصاريف الأساسية. وتتضاعف المعاناة مع ابنتها زهراء (12 عاماً) التي أنهت الصف الرابع، وتعجز عن مواصلة تعليمها لعدم توفر صف خامس في مدرسة المخيم المؤقتة.
عقبات العودة: قرار يتجاوز العواطف
تؤكد شهادات النازحين في مخيم الأخوة أن قرار العودة إلى الديار بعد انتهاء الحرب ليس مجرد رغبة عاطفية، بل هو قرار مرهون بتوافر مقومات الحياة الأساسية:
-
إعادة إعمار المنازل المدمرة.
-
تأمين شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
-
بناء المدارس والمراكز الطبية وتأهيل الطرقات.
-
توفير فرص العمل ورؤوس الأموال البديلة لتأمين الأمان الاقتصادي.
وطالما ظلت هذه المقومات غائبة، ستبقى الخيام المهترئة، برغم حر الصيف وبرد الشتاء والحشرات، الملاذ الأخير لآلاف العائلات السورية النازحة.
إقرأ أيضاً: مخيم أطمة: مئات النازحين في ريف إدلب يواجهون خطر التشريد بعد إنذار بالإخلاء دون بدائل