كيف كشفت الأقمار الصناعية حجم الدمار الممنهج لآثار سوريا بعد الحرب؟

بعد عقود من الحرب، أزاحت صور الأقمار الصناعية الستار عن حجم الكارثة التي طالت التراث الإنساني والأثري في سوريا. ففي دراسة نشرتها مجلة “هيريتدج” (Heritage) العلمية، كشف فريق بحثي من جامعة دارتموث الأمريكية بقيادة الباحث جيسي كاسانا، عن تحديث شامل لرصد واقع أكثر من 200 موقع أثري سوري باستخدام الأقمار الصناعية عالية الدقة.

وأظهرت نتائج الدراسة تحولاً خطيراً في أنماط التدمير؛ حيث لم يعد الأمر يقتصر على “النهب التقليدي”، بل امتد إلى ظاهرة أشد خطورة تُعرف بـ “النهب الآلي” والجرف الكامل للتلال التاريخية.

الشكل 1. حوادث النهب المرصودة في حوالي 5000 موقع خلال الفترة من 2011 إلى 2016 في سوريا والمناطق المحيطة بها، وذلك استناداً إلى تحليلات أُجريت في إطار مشروع ASOR CHI. (مقتبس ومُعدَّل عن: [5]).

أربعة أنواع رئيسية للدمار الذي أصاب الآثار السورية

صنّف الباحثون الأضرار والتعديات التي تعرضت لها المواقع الأثرية في سوريا إلى 4 فئات رئيسية:

  1. النهب التقليدي (الحفر اليدوي): رصدته الدراسة في نحو 59% من المواقع (116 موقعاً من أصل 199)، مقارنة بـ 13.4% فقط في الفترة بين 2011 و2016.

  2. النهب الآلي والتجريف بالجرافات: تدمير شامل يمحو المعالم الأثرية طبقة تلو أخرى.

  3. التحصين والإنشاءات العسكرية: تحويل التلال والتلول الأثرية إلى ثكنات وخنادق.

  4. التأثر بمخيمات النازحين: إقامة تجمعات سكنية وملاجئ مؤقتة فوق الطبقات التاريخية.

نسبة المواقع الأثرية التي رُصد فيها نهب تقليدي (حفر صغيرة أو متوسطة)

من الحفر اليدوي إلى التجريف الآلي: تحول خطير في عفرين وكوباني

أوضحت الدراسة أن أخطر ما تم توثيقه هو ظهور “النهب الآلي” منذ أواخر عام 2018، لا سيما في وادي عفرين ومنطقة عين العرب (كوباني). إذ أقدمت مجموعات على استخدام الآليات الثقيلة والجرافات لتجريف التلال الأثرية بالكامل بحثاً عن الكنوز والقطع الثمينة.

أبرز المواقع المتضررة من التجريف والنهب:

  • موقع عين دارة: رصدت الصور تجريف كامل مساحة التل الأثري بين عامي 2019 و2022 باستثناء المعبد، مع سرقة تمثال الأسد الحجري الشهير ونقله إلى تركيا.

  • موقع سيروس (نبي هوري): تحول من حفر نهب صغيرة عام 2018 إلى تجريف منهجي كامل بحلول أكتوبر 2020 لحقت به أضرار بالغة بالفسيفساء والآثار.

  • موقع ماري وأفاميا: شهدت هذه المواقع نهباً مكثفاً في سنوات الحرب الأولى (2012–2018) قبل أن تتراجع أعمال الحفر الجديدة وتلتئم الحفر القديمة تدريجياً.

الشكل 7. صور بالأقمار الصناعية لمدينة “عين دارة” التي تعود للعصر الحديدي في شمال غرب سوريا، توضح التسلسل الزمني لأعمال النهب في الموقع. في يوليو 2014، كان الموقع سليماً إلى حد كبير؛ وفي أبريل 2016، أُنشئ مجمع عسكري في الجزء الجنوبي الشرقي من الموقع؛ وفي فبراير 2019، جُرفت عدة مناطق من التل المنخفض والمرتفع؛ وفي يناير 2022، جُرف التل بأكمله باستثناء المنطقة الواقعة ضمن المجمع العسكري (مصدر الصور: Google وMaxar Technologies © 2025).

التحصينات العسكرية ومخيمات اللجوء تلتهم التلال التاريخية

لم تسلم المواقع المرتفعة استراتيجياً من الاستغلال العسكري والأمني؛ حيث كشفت صور الأقمار الصناعية عن تحويل مواقع تاريخية بارزة إلى مناطق تمركز:

  • تل إيبلا (تل مرديخ): تحوّل داخل أسواره التاريخية إلى ثكنة تضم عشرات الخنادق وميدان تدريب عسكري منذ 2012 حتى 2022.

  • تل قرقور (وادي العاصي): خضع لتجريف واسع وتحصين عسكري كامل تحول لاحقاً إلى عمليات نهب منظمة.

  • تل البيعة (شرق الرقة): احتضن مخيماً للنازحين ضم أكثر من 120 خيمة بين عامي 2018 و2024، مما أضر بالطبقات السطحية للموقع.

الشكل 8. صور أقمار صناعية تكشف عن أدلة على عمليات نهب واسعة النطاق باستخدام الآليات في مدينة “سيروس” (Cyrrhus) الرومانية والعائدة للعصور الوسطى، الواقعة شمال غربي سوريا. في أبريل 2018، تظهر آثار لعمليات نهب تقليدية محدودة؛ وفي سبتمبر 2019، تظهر أدلة على نهب باستخدام الآليات؛ أما في أبريل 2021، فيبدو بوضوح وجود عمليات نهب واسعة النطاق بالآليات شملت الموقع بأكمله، وهو ما يتضح أكثر في الخريطة المصغرة المرفقة التي تُظهر المدرج (مصدر الصور: Google وMaxar Technologies © 2025).

 

الشكل 9. موقع أثري صغير غير منشور (CRN 4715) في شمال غرب سوريا: أغسطس 2018، لا توجد آثار نهب أو تخريب؛ يوليو 2019، بدء عمليات النهب باستخدام الآليات الثقيلة؛ سبتمبر 2019، توسع أعمال التجريف مع ظهور جرافة تعمل فوق التل الأثري؛ ومارس 2022، تعرض الموقع بأكمله لعمليات نهب ممنهجة عن طريق التجريف (مصدر الصور: Google وMaxar Technologies © 2025).

 

الشكل 10. حمام التركمان: مارس 2014، وجود العديد من حفر النهب الصغيرة؛ نوفمبر 2019، عدم ظهور أي حفر نهب جديدة منذ عام 2014؛ نوفمبر 2021، بدء عمليات النهب باستخدام الآليات الثقيلة؛ وأغسطس 2024، تعرض الموقع بأكمله لنهب ممنهج عبر عمليات التجريف (مصدر الصور: Google وMaxar Technologies © 2025).

كيف عمل الباحثون؟ منهجية الاعتماد على “عين خبيرة” وتاريخ “كورونا”

أمام غياب سجل وطني رسمي شامل للمواقع الأثرية السورية، استند فريق جامعة دارتموث إلى:

  1. أرشيف برنامج “كورونا” الأمريكي: للاستفادة من الصور التاريخية السرية الملتقطة خلال الحرب الباردة، والتي ساعدت في توثيق آلاف المواقع غير المسجلة رسمياً.

  2. صور “غوغل إيرث” والأقمار التجارية: المقارنة البصرية المباشرة الدقيقة بين صور ما قبل عام 2010 والصور الحديثة حتى عام 2026 عبر فريق متخصص بدلاً من الاعتماد الكلي على خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

الشكل 11. تل مرديخ/إيبلا. الصف العلوي: تعرض التل المرتفع المركزي لأضرار جسيمة في فبراير 2017 جراء أعمال حفر الخنادق العسكرية وأعمال النهب، وهي أضرار تفاقمت حدتها بحلول أكتوبر 2022. الصف السفلي: الزاوية الجنوبية الشرقية وسور المدينة القديم. تظهر أنماط مماثلة من الأضرار العسكرية البالغة في أنحاء الموقع، وقد ازدادت حدتها في الفترة ما بين فبراير 2017 وأكتوبر 2022 (مصدر الصور: Google وMaxar Technologies © 2025).

 

الشكل 12. تل قرقور: يوليو 2011، أحد أوائل المواقع التي عُسْكِرت في بداية الحرب، حيث تظهر عدة مواقع للمدفعية أو الدبابات على التل الشمالي السفلي؛ ديسمبر 2017، تحوّل الموقع بأكمله إلى مجمع عسكري محصّن، مع وجود حفر ناتجة عن أعمال النهب في التل العلوي؛ ونوفمبر 2020، جُرّف الموقع، على الأرجح بغرض النهب (مصدر الصور: Google وMaxar Technologies © 2025).

 

الشكل 13. العسكرة في المواقع الأثرية التي رُصدت في الدراسة الحالية خلال الفترة من 2017 إلى 2025.

 

الشكل 14. تل بيعة: أكتوبر 2014، إزالة أجزاء كبيرة من الموقع عن طريق الجرف؛ يناير 2018، توسع حفر النهب لتشمل مساحات واسعة من الموقع؛ يوليو 2020، إنشاء مخيم كبير للاجئين في الموقع؛ ويونيو 2024، زوال مخيم اللاجئين وظهور المزيد من حفر النهب (مصدر الصور: Google وMaxar Technologies © 2025).

دعوة دولية لإنقاذ ما تبقى من تاريخ سوريا

اختتم الباحثون تقريرهم بالتشديد على أن إعادة إعمار سوريا لا يجب أن تقتصر على إعادة بناء المباني والبنية التحتية فقط، بل يجب أن تتضمن حماية التراث الثقافي السوري وتقديم الدعم المادي والفني للخبراء والآثاريين المحلميين، لحماية هذه الثروة التي تشكل هويّة وطنية ومورداً اقتصادياً مستقبلياً للأجيال القادمة.

إقرأ أيضاً: من ماري إلى قلعة دمشق.. الآثار السورية تحت تهديد التخريب والاستثمار

إقرأ أيضاً: آثار تدمر في خطر: نداء استغاثة لإنقاذ لؤلؤة البادية من شبكات التنقيب غير الشرعي

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.