إعادة الإعمار وتحديات سوق العمل: هل تُبنى تنافسية الاقتصاد السوري على رخص الأجور أم الكفاءة؟
في سياق تحضيرات سوريا لمرحلة إعادة الإعمار وجذب رؤوس الأموال، يبرز جدل حول استغلال تدني الأجور وتحويله إلى ميزة تنافسية ما قد يكرس اقتصاداً هشاً، وسط تحذيرات خبراء واقتصاديين من تحويل انخفاض كلفة العمالة إلى شرط تنافسي بديل عن تعزيز الإنتاجية، وبيئة الاستقرار القانوني، والبنية التحتية.
الأجور المتدنية والإنتاجية: المنظور الاقتصادي للاستثمار الجاد
أوضح الخبير الاقتصادي عدنان الجاسم، في تصريحات لمنصة «963+»، أن انخفاض الأجور قد يكون نتيجة لظروف المعيشة أو فروق الإنتاجية، إلا أن تحويل تدني الأجر إلى ميزة لجذب المستثمر يكرس دورة اقتصادية هشة قائمة على ضعف الدخل والطلب المحلي.
وأشار الجاسم إلى أن المستثمر الجاد لا يستهدف العمالة منخفضة التكلفة فقط، بل يبحث عن العوامل الآتية:
-
الكفاءة والتدريب: توافر عمالة ماهرة ومستقرة ترفع من جودة الإنتاج.
-
البيئة المؤسسية: وجود نظام مصرفي فعال، وقضاء حاسم لحماية العقود والحقوق.
-
البنية التحتية: توفير الطاقة، وتسهيل الإجراءات الإدارية، وتوافر سوق استهلاكية قابلة للنمو.
دولة القانون وسيادة اليقين الاستثماري
من جانبه، أكد الباحث الاجتماعي صالح الغازي لـ «963+» أن تسويق العمالة الرخيصة يجذب استثمارات موسميّة عالية الحساسية للتكاليف، وسريعة الانتقال نحو أسواق أكثر رخصاً، مشدداً على ضرورة تقديم سوريا كمركز للعمالة الماهرة، والفرص الاستثمارية المستقرة، والموقع الجغرافي الحيوي.
وأضاف الغازي أن عامل «درجة اليقين» وثبات القوانين يفوق أهمية تدني الأجور بالنسبة للمستثمر، محصّناً أطراف العملية الإنتاجية وفق المعادلة التالية:
ويرى الغازي أن المطلوب للنهوض بسوق العمل ينقسم بين طرفي الإنتاج:
| متطلبات بيئة العمل (للعامل) | حوافز بيئة الاستثمار (للمستثمر) |
| أجر عادل وساعات عمل منضبطة | تبسيط الإجراءات والعدالة الضريبية |
| بيئة عمل آمنة وضمان الاجتماعي | توفير البنية التحتية والتمويل والتدريب |
فلسفة التعافي ومستقبل الطبقة الوسطى
في ذات السياق، حذرت الباحثة الاقتصادية رولا فرزات، في تصريح لـ «963+»، من مخاطر دخول السجالات الاقتصادية المعتمدة على رخص العمالة، مؤكدة أن الدول التي تنافس بالأجور المنخفضة تواجه باستمرار ظهود منافسين آخرين بكلفة أقل.
وبينت فرزات أن التنمية لا تُقاس بعدد الوظائف المنشأة بل بجودتها وقدرتها على تأسيس طبقة وسطى قادرة على الإنفاق والاستثمار. وأكدت أن مرحلة التعافي في سوريا تتطلب التحول من نموذج «عامل منخفض التكلفة» إلى «عامل عالي الإنتاجية»، معتبرة أن حماية العمال وتوفير القوانين الواضحة تشكل جزءاً رئيسياً من إدارة المخاطر الاستثمارية لتخفيف النزاعات والحفاظ على الكفاءات.
إقرأ أيضاً: أزمة الأجور والبطالة في سوريا: تدهور المعيشة وتحديات سوق العمل خلف أرقام التعافي
إقرأ أيضاً: 33% خلال عام.. ارتفاع كلفة المعيشة يلتهم زيادة الأجور في سوريا