33% خلال عام.. ارتفاع كلفة المعيشة يلتهم زيادة الأجور في سوريا
تواجه الأسر السورية ضغوطًا معيشية متزايدة مع استمرار اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة الأساسية، في وقت تكشف فيه بيانات دولية حديثة أن الزيادات في الأجور لم تتمكن من مواكبة الارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات الضرورية.
وأظهر تقرير حديث لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة (WFP) أن تكلفة المعيشة في سوريا ارتفعت بنسبة 33% خلال عام واحد، في مؤشر يعكس استمرار تراجع القدرة الشرائية للسكان، رغم الإجراءات الاقتصادية الأخيرة وزيادات الأجور التي أقرتها الحكومة.
ووفق بيانات البرنامج، بلغت تكلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق (MEB) لأسرة سورية مكونة من خمسة أفراد نحو 26,551 ليرة سورية جديدة شهريًا خلال حزيران 2026، بزيادة قدرها 33% مقارنة بالشهر ذاته من عام 2025.
ورغم أن الرقم يمثل مؤشرًا اقتصاديًا، فإنه يعكس فجوة متزايدة بين ما يحتاجه المواطن لتأمين أساسيات الحياة وبين ما يحصل عليه من دخل، في اقتصاد ما يزال يحاول التعافي بعد سنوات طويلة من الحرب والتدهور الاقتصادي.
الأجور تغطي أقل من نصف الاحتياجات الأساسية
تكشف بيانات التقرير عن فجوة واضحة بين الحد الأدنى للأجور وتكاليف المعيشة، إذ لا يغطي الحد الأدنى الرسمي للأجور، الذي ارتفع إلى 12,560 ليرة سورية جديدة مطلع أيار 2026 بموجب المرسوم رقم 67، سوى نحو 47% من قيمة سلة الحد الأدنى للإنفاق.
ويرى الخبير الاقتصادي حسان مراد أن الاستقرار النسبي في تكلفة السلة على أساس شهري لا يخفي الارتفاع الكبير على المستوى السنوي.
وقال مراد إن السلة سجلت انخفاضًا طفيفًا بنسبة 0.06% مقارنة بشهر أيار، إلا أن الزيادة السنوية البالغة 33% تعكس استمرار الضغط على الأسر السورية، خصوصًا مع عدم قدرة الأجور الحالية على مواكبة تكاليف الحياة.
وأوضح أن حتى المكون الغذائي من السلة، البالغ 16,825 ليرة سورية جديدة، لا يستطيع الحد الأدنى للأجور تغطيته بالكامل، إذ يغطي نحو 75% منه فقط.
وبذلك، لا يكفي الراتب الرسمي لتأمين الغذاء الأساسي للأسرة، قبل احتساب النفقات الأخرى مثل السكن والتعليم والصحة والمواصلات.
أسرة تحتاج إلى راتب ونصف للغذاء فقط
بحسب تقديرات مراد، تحتاج الأسرة السورية إلى راتب ونصف تقريبًا لتغطية احتياجاتها الغذائية الأساسية فقط، بينما تحتاج إلى أكثر من ضعفي الحد الأدنى للأجور لتغطية الحد الأدنى الشامل للمعيشة.
وأشار إلى أن هذا الواقع دفع شرائح واسعة إلى الاعتماد على مصادر دخل إضافية، عبر الجمع بين أكثر من وظيفة أو اللجوء إلى أنشطة اقتصادية غير منظمة ضمن ما يعرف بـ”اقتصاد الظل”، بهدف تعويض الفارق بين الدخل الرسمي وتكاليف الحياة.
وأضاف أن تأثير هذه الفجوة لا يقتصر على الأسر، بل يمتد إلى سوق العمل والقطاع الخاص، إذ تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبة في الحفاظ على العمالة بسبب عدم قدرة الأجور على تأمين مستوى معيشي مقبول، ما يساهم في زيادة دوران الموظفين وهجرة الكفاءات وتراجع الإنتاجية.
الأسر تقلل الاستهلاك لمواجهة الأزمة
على المستوى اليومي، تعتمد الأسر السورية على مجموعة من الإجراءات للتكيف مع ارتفاع تكاليف المعيشة، من بينها تقليل عدد الوجبات، واستبدال بعض المواد الغذائية بأخرى أقل تكلفة، إضافة إلى الاعتماد على الحوالات المالية أو الاقتراض.
وقالت هناء طالب، وهي معلمة وأم لثلاثة أطفال، إن الزيادة الأخيرة في الأجور فقدت تأثيرها بسبب ارتفاع الأسعار قبل وصولها إلى المواطنين.
وأضافت أن الأسر باتت تستبعد العديد من المواد من قائمة مشترياتها، مثل اللحوم والفواكه، مع التركيز على تأمين الخبز والمواد الأساسية فقط.
من جهته، قال خالد جعفر، وهو موظف حكومي، إن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف القوة الشرائية، موضحًا أن عدم قدرة الأجور على تغطية الاحتياجات الضرورية يدفع الأسر إلى حلول استنزافية، مثل الاعتماد على الحوالات الخارجية أو تقليص الاستهلاك أو بيع بعض الممتلكات.
وأشار محمد شيخموس، وهو موظف حكومي جديد، إلى أن الزيادات في الأجور أصبحت محدودة التأثير أمام ارتفاع الأسعار، معتبرًا أن الموظف لم يعد قادرًا على تأمين احتياجات أسرته الغذائية دون مصادر دخل إضافية.
لماذا لم ينعكس استقرار سعر الصرف على المعيشة؟
يرى الباحث الاقتصادي سمير الرفاعي أن الاستقرار النسبي في سعر صرف الليرة لم يؤدِ إلى تحسن مباشر في القدرة الشرائية، بسبب عوامل أخرى مرتبطة بارتفاع تكاليف السلع الأساسية.
وأوضح الرفاعي أن الفترة الماضية شهدت إجراءات لتحرير تدريجي لأسعار بعض السلع المدعومة سابقًا، وخاصة الخبز والمحروقات، الأمر الذي أبقى الضغوط على ميزانيات الأسر مرتفعة.
وأشار إلى أن بيانات مراكز بحثية سورية تظهر ارتفاع سعر كيلوغرام الخبز بنسبة تراكمية تقارب 1400% منذ نهاية عام 2024 وحتى حزيران 2026، ما يعكس حجم التغير الذي طرأ على تكلفة إحدى أهم السلع الأساسية للأسر السورية.
وبحسب الرفاعي، فإن تباطؤ التضخم أو استقرار سعر الصرف لا يكفي وحده لتحسين الواقع المعيشي، ما لم يترافق مع إجراءات تحد من ارتفاع الأسعار وتحسن الإنتاج المحلي وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية.
فجوة تحتاج إلى سياسات تتجاوز زيادة الرواتب
يؤكد خبراء اقتصاديون أن معالجة الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة لا يمكن أن تعتمد فقط على رفع الأجور بشكل اسمي، إذ سرعان ما تتآكل هذه الزيادات بفعل ارتفاع الأسعار.
ويرى الرفاعي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مجموعة من الإجراءات، تشمل ضبط التضخم، وتثبيت أسعار المواد الأساسية، ودعم الإنتاج المحلي، وتقليل تكاليف الاستيراد، إلى جانب توسيع شبكات الحماية الاجتماعية والمساعدات الموجهة للفئات الأكثر هشاشة.
وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن الأسرة السورية ما تزال تواجه فجوة هيكلية بين الدخل والنفقات، في وقت تحولت فيه معادلة تأمين الاحتياجات الأساسية إلى تحدٍ يومي بالنسبة لشريحة واسعة من السكان.
اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز