سوريا بعد رفع التصنيف الأميركي: هل تتحول دمشق إلى شريك أمني للغرب؟

يفتح خروج سوريا رسمياً من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، بعد 47 عاماً على إدراجها، مرحلة جديدة في العلاقة بين دمشق وواشنطن، بعدما أزال القرار أحد أبرز القيود القانونية التي أثرت في التعاملات بين الجانبين. ويتزامن ذلك مع إلغاء تصنيف «جبهة النصرة» أو «هيئة تحرير الشام» كمنظمة إرهابية أجنبية، في إطار التحول الذي تشهده السياسة الأميركية تجاه سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد.

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجوانب الاقتصادية والمالية، إذ يطرح أيضاً سؤالاً حول الموقع الذي يمكن أن تشغله سوريا في منظومة الأمن الإقليمي والدولي، خصوصاً مع انتقال العلاقة مع واشنطن من العزلة والعقوبات إلى تعاون في ملفات مرتبطة بمكافحة التنظيمات المتطرفة.

وجاء رفع التصنيف ضمن مسار أميركي تدريجي لتخفيف القيود المفروضة على سوريا، بدأ بإجراءات مرتبطة بـ«قانون قيصر»، مروراً برفع العقوبات المتعلقة بالإرهاب عن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، وصولاً إلى إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب. وبحسب الطرح الأميركي، ارتبطت هذه الخطوات بإجراءات وتعهدات قدمتها الحكومة السورية الجديدة بشأن مكافحة الإرهاب الدولي.

إزالة قيد أساسي لا تعني نهاية العقوبات

أُدرجت سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979، وهو تصنيف فرض على دمشق قيوداً واسعة طالت المساعدات الخارجية وصادرات الدفاع وبعض المعاملات المالية وغيرها من المجالات.

ويزيل القرار الأميركي أحد أبرز العوائق القانونية أمام تطوير العلاقات المباشرة بين سوريا والولايات المتحدة، لكنه لا يعني انتهاء جميع العقوبات والقيود المفروضة على دمشق دفعة واحدة.

كما أن رفع التصنيف لا يضمن تلقائياً عودة الشركات والمؤسسات المالية إلى السوق السورية، إذ ستبقى عوامل أخرى حاضرة في قرارات الاستثمار والتعامل، من بينها الوضع الأمني والتشريعي ومخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ويرى الباحث السوري وائل علوان، في تصريح خاص لموقع «الحل نت»، أن رفع التصنيف يمثل خطوة مهمة باتجاه إعادة إدماج سوريا في المجتمع الدولي، لكنه لا يكفي وحده لجذب الاستثمارات أو بناء علاقات اقتصادية جديدة.

ويقول علوان إن القرار يمكن أن يدعم التعافي الاقتصادي والانتقال السياسي، ولا سيما عبر تشجيع الاستثمار والتكنولوجيا وتوسيع التواصل مع الشركات الغربية، بما فيها الأميركية. لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن المستثمرين لا يقيّمون العقوبات والتصنيفات وحدها، بل يحتاجون أيضاً إلى بيئة مستقرة وآمنة من الناحيتين الأمنية والتشريعية.

وبحسب علوان، لا تزال سوريا بحاجة إلى إصلاح القطاع المصرفي والتشريعات ومعالجة الملفات الأمنية، ما يجعل رفع التصنيف خطوة أساسية، لكنها «غير كافية» بمفردها لتوفير بيئة استثمارية مستقرة.

من العزلة إلى التعاون الأمني

يحمل القرار الأميركي بعداً أمنياً لا يقل أهمية عن تداعياته الاقتصادية، إذ بدأت دمشق، حتى قبل رفع التصنيف، بناء نمط مختلف من التعاون مع الولايات المتحدة ودول غربية في ملف مكافحة تنظيم «داعش».

وتشير تقارير أميركية إلى تعاون واشنطن مع الحكومة السورية الجديدة عبر «التحالف الدولي» بهدف تعزيز قدراتها في مكافحة الإرهاب ومنع تحول سوريا إلى ملاذ للتنظيمات الإرهابية.

وبذلك، فإن التعاون الأمني السوري الغربي لا يبدأ مع قرار رفع التصنيف، وإنما يأتي القرار ضمن مسار يمكن أن يوسع نطاق هذا التعاون ويمنحه طابعاً أكثر انتظاماً.

ويطرح هذا المسار ملفات أمنية متعددة يمكن أن تشكل أساساً للتعاون بين دمشق والدول الغربية، بينها مواجهة خلايا «داعش»، وتأمين الحدود، ومكافحة شبكات تهريب السلاح والمخدرات، والتعامل مع ملف المقاتلين الأجانب، إلى جانب تبادل المعلومات الأمنية.

وفي المقابل، تحتاج دمشق إلى هذا التعاون لتعزيز قدرتها على ضبط الأراضي السورية وتثبيت موقعها كطرف أمني قادر على التعامل مع التحديات، بعد سنوات من تعدد القوى المسلحة ومراكز النفوذ داخل البلاد.

ترتيبات إقليمية تعيد رسم التحالفات

لا يعني خروج سوريا من التصنيف الأميركي تلقائياً انضمامها إلى تحالفات إقليمية جديدة، لكنه يمنح دمشق مساحة أوسع لتطوير علاقاتها السياسية والأمنية مع أطراف مختلفة.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع إعادة ترتيب العلاقات الأمنية في الشرق الأوسط، ومن أبرز مظاهرها اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في 7 آب/أغسطس.

وينص الاتفاق على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، رغم أنه لا يتضمن حتى الآن التزامات عسكرية تفصيلية مماثلة لتلك المعمول بها في حلف شمال الأطلسي «الناتو».

وخلال زيارة إلى باكستان، ألمح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى أن دمشق تدرس إمكانية الانضمام إلى اتفاقية الدفاع، موضحاً أن سوريا لم تتخذ قراراً نهائياً بهذا الشأن.

ويرى علوان أن رفع التصنيف الأميركي لم يكن العامل الحاسم في تحديد خيارات دمشق تجاه التحالفات الإقليمية، موضحاً أن التصنيف كان يشكل عائقاً رئيسياً أمام العلاقة السورية الأميركية، لكنه لم يكن يمنع سوريا قانونياً من إقامة علاقات مع معظم الدول الأخرى.

ويشير إلى أن دمشق تتابع تطورات الترتيبات الأمنية في المنطقة، ومنها الاتفاق السعودي التركي الباكستاني، خصوصاً في ظل النقاش بشأن إمكانية توسيعه ليشمل أطرافاً أخرى، من بينها إيران.

«داعش» أمام واقع أمني جديد

يطرح التحول في العلاقة بين دمشق وواشنطن سؤالاً آخر يتعلق بموقف التنظيمات الجهادية، وفي مقدمتها «داعش»، من الحكومة السورية الجديدة.

وبحسب علوان، فإن رفع التصنيف الأميركي لن يغير بحد ذاته موقف هذه الجماعات من دمشق، لأن حالة العداء بينها وبين السلطة الجديدة سبقت القرار. كما أن مواقف الحكومة السورية من التنظيمات الجهادية والإرهابية، وانضمامها إلى التحالف الدولي ضد «داعش»، فضلاً عن انفتاحها على الولايات المتحدة، شكلت بالفعل عوامل جعلت دمشق في موقع الخصم بالنسبة إلى هذه التنظيمات.

في المقابل، يرى محللون مهتمون بالشأن السوري أن التقارب السوري الأميركي قد يوفر لـ«داعش» مادة إضافية في خطابه الدعائي ضد الحكومة، خصوصاً إذا تطور التعاون الأمني بين دمشق وواشنطن إلى شراكة أكثر وضوحاً.

وقد يحاول التنظيم، وفق هذا التقدير، تقديم الحكومة السورية باعتبارها جزءاً من منظومة إقليمية ودولية معادية له، واستثمار ذلك في استهداف المؤسسات الأمنية والعسكرية أو جذب عناصر جديدة.

لكن قدرة «داعش» على تحويل هذا الخطاب إلى تصعيد واسع ستبقى مرتبطة بعوامل ميدانية، من بينها قدرته العملياتية داخل سوريا، وحجم شبكاته المحلية، ومدى قدرته على استغلال الثغرات الأمنية والسياسية.

وتشير تقارير أميركية إلى أن واشنطن لا تزال تعتبر خطر عودة «داعش» تحدياً قائماً، في وقت تعمل فيه عبر التحالف الدولي على دعم قدرات الحكومة السورية في مواجهة التنظيم ومنع تحول الأراضي السورية إلى ملاذ له.

وبالتالي، تواجه دمشق مهمة مزدوجة تتمثل في تعزيز قدراتها الأمنية ومنع التنظيم من استثمار مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة لتوسيع شبكاته أو توظيف التوترات السياسية والمجتمعية.

موقع جديد لسوريا في المعادلة الأمنية

يحمل التحول الحالي مفارقة واضحة؛ فسوريا التي ظلت مدرجة منذ عام 1979 على قائمة الدول الراعية للإرهاب في الولايات المتحدة، باتت اليوم أمام فرصة للانتقال إلى موقع الدولة التي يُنتظر منها التعاون في مواجهة التنظيمات المصنفة إرهابية من جانب واشنطن.

لكن هذا الانتقال لا يُحسم بقرار رفع التصنيف وحده. فالدول الغربية والعربية الراغبة في توسيع تعاونها مع دمشق ستنظر أيضاً إلى قدرتها على ضبط الحدود، ومواجهة «داعش» والجماعات الجهادية، والحد من شبكات التهريب، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، والعمل ضمن أطر قانونية ومؤسساتية واضحة.

وفي حال تمكنت دمشق من تحقيق تقدم في هذه الملفات، فقد تتجاوز قيمتها الأمنية حدود التعامل مع التحديات الداخلية، لتصبح طرفاً في ترتيبات أمنية أوسع في المنطقة، حيث تتداخل ملفات الإرهاب والتهريب والهجرة غير النظامية والصراعات الإقليمية.

وبهذا المعنى، قد تكون أهمية رفع التصنيف الأميركي أكبر من مجرد إزالة قيد قانوني؛ فهو يفتح الباب أمام إعادة تعريف علاقة سوريا بالولايات المتحدة والغرب، وربما انتقالها تدريجياً من موقع الدولة المعزولة إلى شريك محتمل في ملفات أمنية إقليمية.

ومع ذلك، يبقى نجاح هذا التحول مرتبطاً بقدرة دمشق على تحويل الانفتاح الدولي إلى مؤسسات وسياسات مستقرة، وبناء تعاون أمني قابل للاستمرار، بالتوازي مع تثبيت علاقاتها الإقليمية، في منطقة لا تزال تشهد إعادة رسم للتحالفات وموازين النفوذ.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.