“خيمة الحرب”.. تصعيد يثير تساؤلات بشأن مستقبل الاستقرار في شمال شرقي سوريا
أثارت التحركات العشائرية الأخيرة في عدد من مناطق محافظة الحسكة، والتي تمثلت بإقامة ما عُرف بـ”خيمة الحرب” في مناطق الميلبية وتل حميس واليعربية ورأس العين/سري كانيه، نقاشًا واسعًا حول انعكاسات الخطاب العشائري التصعيدي على مسار المرحلة الانتقالية في سوريا، في وقت تمضي فيه الحكومة السورية بخطوات لإعادة ربط مؤسسات المحافظة بالإدارة المركزية في دمشق، ضمن إطار الاتفاق المبرم مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تتجاوز إطار الاحتجاج التقليدي، لما يحمله الرمز المستخدم من دلالات مرتبطة بالتعبئة والاستنفار، وهو ما يثير مخاوف من زيادة حالة الاستقطاب في منطقة تضم مكونات قومية واجتماعية متعددة، ويطرح تساؤلات حول تأثير ذلك على جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار.
تحرك عشائري وسط مرحلة انتقالية
شهدت الأيام الماضية إقامة خيام حملت اسم “خيمة الحرب” في عدة مناطق بالحسكة، في خطوة ربطها منظموها بالمطالبة بإنهاء سيطرة “قسد” على إدارة الملفين الأمني والعسكري في المحافظة، والدعوة إلى تولي مؤسسات الدولة السورية مسؤولياتها الكاملة في المنطقة.
ويعتبر متابعون أن هذه التحركات تأتي في مرحلة حساسة تشهد فيها سوريا ترتيبات لإعادة تنظيم مؤسسات الدولة في شمال شرقي البلاد، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في الخطاب السياسي أو المجتمعي محل اهتمام، لما قد يتركه من تأثير على مسار التفاهمات القائمة.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن استحضار الرموز المرتبطة بالنفير والتعبئة العشائرية يحمل أبعادًا تتجاوز الاحتجاج المدني، ويعكس خطابًا قد يسهم في تعميق الانقسامات المجتمعية إذا لم تتم معالجته ضمن أطر سياسية ومؤسساتية.
تزامن مع خطوات حكومية
وجاءت هذه التحركات بالتزامن مع استمرار الحكومة السورية في تنفيذ خطوات لإعادة ربط عدد من المؤسسات في محافظة الحسكة بالإدارات المركزية في دمشق.
وشملت الإجراءات قطاعات التعليم العالي والقضاء والمصارف والخدمات، إذ أجرى وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي زيارة إلى جامعة “روج آفا” في القامشلي، لبحث آليات ربطها بجامعة الفرات وإخضاعها للإشراف الأكاديمي والإداري للوزارة.
كما بدأت الجهات الحكومية العمل على تسوية أوضاع القضاة العاملين ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية، تمهيدًا لإلحاقهم بالجهاز القضائي السوري، بالتوازي مع إعادة تفعيل فروع المصرف الزراعي وإجراء تغييرات إدارية في عدد من المؤسسات الحكومية، بما يسمح باستئناف صرف مستحقات مزارعي القمح في المحافظة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوات تعكس تقدمًا على المستوى الإداري والخدمي، إلا أنها لم تنهِ الجدل المرتبط بملف الإدارة الأمنية والعسكرية في المنطقة.
الملف الأمني في صلب الخلاف
ورغم الإجراءات الحكومية، لا تزال بعض الأوساط العشائرية تعتبر أن جوهر الخلاف يتعلق بملف السلطة الأمنية، وليس فقط بإعادة ربط المؤسسات المدنية بالدولة.
وتشير هذه الأوساط إلى أن الاتفاق المبرم مطلع عام 2026 بين الحكومة السورية و”قسد” ينص على استمرار تولي قوى الأمن الداخلي (الأسايش) وسكان المناطق المحليين مسؤولية الأمن في المناطق ذات الغالبية الكردية، مع عدم دخول الجيش السوري إليها، وهو ما تعتبره سببًا رئيسيًا لاستمرار التحركات.
في المقابل، يرى متابعون أن التقدم في الملفات الإدارية والخدمية يعكس وجود تعاون بين الحكومة والإدارة الذاتية في بعض الجوانب، إلا أن الملفات السياسية والأمنية ما تزال أكثر تعقيدًا، وتحتاج إلى تفاهمات أوسع بين مختلف الأطراف.
فجوة بين المسار الإداري والسياسي
وتكشف التطورات الأخيرة، وفق محللين، عن وجود مسارين متوازيين في شمال شرقي سوريا؛ الأول يتعلق بإعادة تفعيل المؤسسات الحكومية وتحسين الخدمات، وقد شهد تقدمًا نسبيًا خلال الأشهر الماضية، بينما لا يزال المسار السياسي والأمني يتحرك بوتيرة أبطأ، وسط استمرار الخلافات بشأن طبيعة الإدارة المستقبلية للمناطق وآليات توزيع الصلاحيات.
ويعتبر هؤلاء أن استمرار الخطابات ذات الطابع العشائري أو القومي قد يزيد من تعقيد هذا المسار، في وقت تتطلب فيه المرحلة الانتقالية بناء مؤسسات قادرة على استيعاب مختلف المكونات ضمن إطار قانوني واحد.
تحديات بناء الدولة
ويرى باحثون أن التحركات الحالية تعكس أيضًا تراكمات تعود إلى سنوات طويلة، حيث أدى ضعف مؤسسات الدولة خلال سنوات النزاع إلى بروز سلطات محلية وتشكيلات عسكرية ومرجعيات اجتماعية ملأت الفراغ الإداري والأمني في عدد من المناطق.
ويشيرون إلى أن إعادة دمج هذه الهياكل ضمن مؤسسات الدولة تمثل أحد أبرز تحديات المرحلة الانتقالية، خاصة مع استمرار تعدد مراكز النفوذ ووجود قوى مسلحة خارج البنية العسكرية الرسمية.
ويحذر هؤلاء من أن غياب المؤسسات الجامعة قد يجعل أي خلاف سياسي أو إداري قابلًا للتحول إلى توتر مجتمعي، خصوصًا في المناطق التي تضم تنوعًا قوميًا واجتماعيًا، ما يستدعي الإسراع في بناء مؤسسات قادرة على إدارة هذا التنوع بصورة متوازنة.
دعوات إلى ترسيخ المواطنة
وفي هذا السياق، يرى مختصون أن نجاح المرحلة الانتقالية لا يقتصر على إعادة بسط سلطة الدولة إداريًا وأمنيًا، بل يتطلب أيضًا تطوير نموذج للحكم يقوم على توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز مبدأ المواطنة المتساوية، وإيجاد مؤسسات قادرة على تمثيل مختلف المكونات السورية.
ويؤكد أصحاب هذا الطرح أن تحقيق الاستقرار الدائم يرتبط ببناء مؤسسات دستورية وقانونية تستوعب التنوع الاجتماعي والسياسي، بما يقلل من فرص استغلال الانقسامات المحلية أو الهويات الفرعية في الصراعات السياسية.
كما يشيرون إلى أن تجاوز آثار سنوات النزاع يتطلب معالجة الملفات السياسية والحقوقية والاقتصادية بصورة متوازنة، بما يعزز الثقة بين المكونات المختلفة، ويحد من احتمالات عودة التوترات أو إعادة إنتاج أنماط الصراع التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
ويرى متابعون أن المرحلة المقبلة ستشكل اختبارًا لقدرة الأطراف المعنية على الموازنة بين استكمال إعادة بناء مؤسسات الدولة من جهة، وضمان مشاركة مختلف المكونات في إدارة الشأن العام من جهة أخرى، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار وتجنب أي تصعيد قد ينعكس على واقع شمال شرقي سوريا.
اقرأ أيضاً:احتجاجات في دير الزور للمطالبة بتحسين الخدمات وإنهاء التهميش