هيومن رايتس ووتش تحذر من تغييب السكان المتضررين.. إعادة الإعمار في سوريا تمضي دون ضمانات لحقوقهم
تتقدم مشاريع إعادة الإعمار في سوريا في وقت لا تزال فيه أسئلة أساسية حول ملكية المنازل والأراضي وحقوق العائدين بلا إجابات واضحة. وبينما تتحرك الحكومة الانتقالية لجذب الاستثمارات وإطلاق مشاريع بمليارات الدولارات، لا تفرض الأطر القانونية الحالية، وفق “هيومن رايتس ووتش”، آليات تلزم الحكومة والمطورين بإشراك السكان المتضررين قبل اتخاذ القرارات التي ستحدد مستقبل أحيائهم وممتلكاتهم.
وتحذر المنظمة من أن هذا المسار قد يحول إعادة الإعمار من فرصة لإعادة بناء المدن والمجتمعات إلى مصدر جديد للنزاعات، خصوصاً في بلد ما تزال فيه ملايين الملكيات مرتبطة بالتهجير وفقدان الوثائق والنزاعات العقارية، فيما يعود السكان إلى مناطق تفتقر حتى إلى الخدمات الأساسية.
مشاريع كبرى وسكان خارج القرار
في تقرير نشرته في 27 أيلول/سبتمبر، قالت “هيومن رايتس ووتش” إن الحكومة الانتقالية كشفت في آذار/مارس 2026 عن مخطط وطني للتعافي، أعقبته تعهدات دولية بالتمويل والاستثمار، لكن الإطار القانوني لإعادة الإعمار لا يزال يفتقر إلى ضمانات تلزم الجهات المنفذة بالتشاور مع المجتمعات المتضررة، بما فيها تلك التي ما تزال نازحة.
وأجرت المنظمة بحثاً ميدانياً في أيار/مايو شمل سكاناً عائدين إلى قرية غدفة في ريف إدلب، كما راجعت وثائق حكومية وتقارير للبنك الدولي والأمم المتحدة ومبادرة الإصلاح العربي. وخلصت، نقلاً عن المبادرة، إلى أن عدداً من مشاريع إعادة الإعمار أُعد ضمن دوائر رسمية وتجارية ضيقة، من دون مشاركة مجدية للسكان أو آليات واضحة للاعتراض والتعويض.
وهنا تظهر إحدى أكبر ثغرات المسار الحالي: الدولة تتعامل مع إعادة الإعمار باعتبارها ملفاً استثمارياً وهندسياً بالدرجة الأولى، فيما يفترض أن تكون الملكية والسكن وحق السكان في تقرير مصير مناطقهم جزءاً من الأساس الذي تُبنى عليه المشاريع، لا ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد توقيع العقود.
الملكية لم تُحسم.. والإعمار يتقدم
تضع المنظمة حقوق السكن والأرض والملكية في قلب المشكلة. ففي دمشق، لا يزال الجدل قائماً حول المرسوم 66 ومشاريع مثل “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي”، بينما لم تُحسم بصورة نهائية قضايا ملكية وتعويضات مرتبطة بهذه المشاريع.
كما تشير إلى أن القانون رقم 10 لعام 2018 وسّع نموذج مناطق إعادة التطوير، في وقت يواجه فيه النازحون صعوبات أكبر في إثبات الملكية بسبب فقدان الوثائق أو تعذر الوصول إلى السجلات العقارية.
وفي جوبر، حيث دُمّر نحو 95% من المباني وفق “تقرير سوريا”، تبرز المشكلة بصورة أكثر قسوة: إعادة البناء ليست مجرد تشييد أبنية جديدة، بل تحديد من يملك الحق في العودة، وما الذي سيحصل عليه صاحب المنزل السابق، وكيف ستُحتسب التعويضات، وماذا سيحدث للمستأجرين وسكان المناطق العشوائية.
العودة إلى الأنقاض لا تكفي
لا تبدو أزمة العائدين أقل تعقيداً من أزمة الملكية. ففي غدفة بريف إدلب، قابلت “هيومن رايتس ووتش” سكاناً عادوا من مخيمات النزوح ليجدوا أنفسهم أمام قرية تفتقر إلى المياه الجارية والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والخدمات الطبية القريبة.
وتأتي هذه الوقائع فيما يقدر البنك الدولي الأضرار المادية التي خلفها النزاع بنحو 108 مليارات دولار، وتكاليف إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري بين 140 و345 مليار دولار.
وهكذا يصبح معنى “العودة” أكثر تعقيداً من مجرد فتح الطريق أمام السكان إلى مناطقهم. فالعودة إلى منزل مدمر، من دون ماء أو كهرباء أو مدرسة أو رعاية صحية، لا تعني استعادة الحياة الطبيعية، كما أن إعادة بناء المنزل من دون ضمان حق صاحبه فيه قد تفتح نزاعاً جديداً بدلاً من إنهاء آثار النزوح.
لا جهة مستقلة يفترض أن يسمعها المتضررون
تلفت المنظمة إلى غياب آلية مستقلة ومتخصصة تتيح للسكان الطعن في القرارات التي تمس منازلهم وأراضيهم وأحياءهم. وفي ظل ذلك، يبقى الاعتراض معتمداً بدرجة كبيرة على الاحتجاج أو الضغط الإعلامي أو الوساطات، وهي أدوات لا توفر ضمانة متساوية لجميع المتضررين.
وتطالب “هيومن رايتس ووتش” بأن تصبح مشاركة السكان شرطاً سابقاً على الموافقة على مشاريع إعادة الإعمار، وأن يجري التفاوض على التعويضات بدلاً من فرضها، مع إنشاء آليات تظلم مستقلة وإعادة النظر في الأطر القانونية المرتبطة بالملكية.
المشكلة، في النهاية، أن سوريا تدخل مرحلة إعادة الإعمار قبل أن تنهي ملفات أساسية يفترض أن تسبقها: من يملك الأرض؟ من يحق له العودة؟ من يحصل على التعويض؟ ومن يملك حق الاعتراض؟
ومع انتقال مشاريع بمليارات الدولارات من مرحلة الإعلان إلى التنفيذ، يصبح تأجيل هذه الأسئلة أكثر كلفة. فالإعمار الذي يبدأ من المستثمر قبل صاحب المنزل، ومن العقد قبل حسم الملكية، قد يبني أبنية جديدة فوق نزاعات قديمة، بدلاً من أن يعالج جذور الأزمة التي تركت ملايين السوريين خارج منازلهم وممتلكاتهم.
اقرأ أيضاً: تحديات العودة وإعادة الإعمار في سوريا: شح التمويل والضغط على الخدمة العامة