“داعش” يعيد تشكيل نشاطه في سوريا بعد سقوط الأسد

أعاد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 تشكيل البيئة التي يعمل فيها تنظيم “داعش” في سوريا، بحسب دراسة حديثة رصدت نشاط التنظيم حتى أيلول/سبتمبر 2026. ووفق الدراسة، تراجع حضور التنظيم من حيث السيطرة على الأراضي، لكنه احتفظ بقدرته على تنفيذ هجمات محدودة واختيار أهداف ذات تأثير أمني وسياسي يتجاوز حجم العملية نفسها.

وتشير الدراسة الصادرة عن “المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات” إلى أن التحولات التي شهدتها البلاد، ولا سيما تبدل السيطرة في شمال شرقي سوريا، فتحت أمام التنظيم مسارات جديدة لاستغلال الثغرات الأمنية والاجتماعية. وترى أن تقييم مستوى التهديد لا يمكن أن يعتمد على عدد الهجمات وحده، لأن خلايا صغيرة قد تنفذ عمليات محدودة قادرة على إحداث تأثير واسع، خصوصاً عندما تستهدف المدنيين أو مؤسسات الدولة.

نشاط يتجه من البادية نحو المدن

وقدر تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، صدر في 31 تموز/يوليو 2026، عدد مقاتلي “داعش” في سوريا بما يصل إلى 3 آلاف مقاتل، مع رصد تحول في نمط نشاط التنظيم من البادية الوسطى باتجاه المناطق الحضرية.

وبحسب الدراسة، أصبح التنظيم يعتمد بدرجة أكبر على عمليات سريعة تستهدف مواقع دينية وسياسية وعسكرية، في وقت انخفض فيه معدل هجماته مقارنة بمراحل سابقة، مع تسجيل موجات نشاط متفرقة خلال عام 2026.

وتحذر الدراسة من اعتبار انخفاض عدد العمليات مؤشراً كافياً على انتهاء خطر التنظيم، وتفرق بين ثلاث قدرات منفصلة يمكن من خلالها قياس نشاطه: القدرة على الاحتفاظ بالأراضي، وتنفيذ الهجمات، والاستفادة من نتائجها لأغراض دعائية.

كما تشدد على أن تقديرات أعداد عناصر “داعش” تظل تقديرات وليست إحصاءً مؤكداً، وأن وجود شبكات محتملة للتنظيم لا يعني امتلاكه سيطرة فعلية على مناطق سورية.

خصوم جدد بعد تغير السلطة

شهدت خريطة خصوم “داعش” في سوريا تغيراً بالتوازي مع التحولات السياسية والعسكرية في البلاد. فقبل تغير السيطرة في شرق سوريا، كانت قوات سوريا الديمقراطية تمثل أحد الأهداف الرئيسية لهجمات التنظيم في المنطقة، بينما باتت السلطة السورية الجديدة ومؤسساتها ضمن قائمة الخصوم الذين يعلن التنظيم مواجهتهم.

وتذكر الدراسة أن السلطات السورية أعلنت خلال الفترة الماضية توقيف أشخاص للاشتباه بارتباطهم بالتنظيم وإحباط مخططات، في حين استمر “داعش” في إعلان عدائه للحكومة الجديدة.

وتستشهد الدراسة بالهجوم الذي استهدف كنيسة مار إلياس في دمشق خلال حزيران/يونيو 2025 باعتباره مثالاً على التأثير الذي يمكن أن تتركه عملية تستهدف المدنيين.

وفي المقابل، تلفت الدراسة إلى ضرورة الفصل بين إعلان التنظيم مسؤوليته عن حادثة معينة أو وجود صلة بين بعض المنفذين به، وبين إثبات كامل مراحل التخطيط للعملية وتنفيذها، معتبرة أن ذلك يتطلب الاستناد إلى تحقيقات مستقلة.

إعادة بناء الأجهزة الأمنية

يتزامن نشاط “داعش” مع عملية إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية بعد سقوط الأسد، وهو ما يجعل شكل هذه المؤسسات وقدرتها على العمل ضمن قيادة موحدة عاملاً مؤثراً في التعامل مع التنظيم، وفق الدراسة.

وتشير إلى أن دمج مقاتلين أجانب وفصائل سابقة ضمن تشكيلات الجيش يطرح تساؤلات بشأن وحدة القيادة وآليات المساءلة، حتى مع ما يتيحه هذا الدمج للسلطة من قدرة سريعة على توسيع حضورها.

وتفرق الدراسة بين الإعلان عن دمج القوات وبين تحولها فعلياً إلى مؤسسة عسكرية موحدة تعمل وفق تسلسل أوامر واضح وقواعد مشتركة.

كما تربط بين انتقال السيطرة في أجزاء من شمال شرقي سوريا خلال كانون الثاني/يناير 2026 وبين إعادة تنظيم ملف مكافحة “داعش”، بما في ذلك إدارة السجون والمخيمات التي تضم أشخاصاً مرتبطين بالتنظيم أو مشتبه بارتباطهم به.

وفي 25 آب/أغسطس، أعلن مظلوم عبدي حل “قسد” كقوة عسكرية مستقلة بعد دمج قواتها في ألوية الجيش السوري. وتعتبر الدراسة هذا التطور مهماً على المستويين السياسي والأمني، لكنها تشير إلى أن الإعلان وحده لا يسمح بتقييم مدى الانسجام الفعلي بين الوحدات أو قدرة الإدارة الجديدة على إدارة شبكة السجون والمخيمات.

وفي سياق متصل، غادرت القوات الأميركية آخر قاعدة رئيسية لها في سوريا خلال نيسان/أبريل، وفق الدراسة، ما يرفع من أهمية قدرات الشركاء المحليين والتنسيق الإقليمي في جهود مكافحة التنظيم.

ملف المعتقلين والمخيمات

يمثل وضع المحتجزين والمخيمات أحد الملفات التي تربطها الدراسة بمستقبل تهديد “داعش” في سوريا.

وبين 21 كانون الثاني/يناير و12 شباط/فبراير 2026، نقلت الولايات المتحدة أكثر من 5700 رجل محتجزين على خلفية الاشتباه بالانتماء إلى “داعش” من سوريا إلى العراق، وفق ما أوردته القيادة المركزية الأميركية.

لكن الدراسة تنبه إلى أن هؤلاء لا يمكن تصنيفهم جميعاً باعتبارهم مقاتلين محكومين، إذ تختلف أوضاعهم القانونية ومستويات الاشتباه بحقهم، كما أن نقلهم إلى العراق لا يحسم وضع جميع المحتجزين الذين بقوا في مرافق الاحتجاز السورية، ولا يحدد بمفرده المسار القضائي للمنقولين.

وتناولت الدراسة أيضاً إخلاء مخيم الهول عقب انتقال السيطرة عليه في 20 كانون الثاني/يناير، ثم إعلان إغلاقه في 22 شباط/فبراير.

ونقلت عن “هيومن رايتس ووتش” أن مغادرة أعداد كبيرة من سكان المخيم تمت في ظروف غير منظمة، وأن المنظمة تحدثت عن عدم وضوح مصير نحو 8500 شخص في المخيمين، بينهم قرابة 2300 امرأة وطفل أجنبي في مخيم روج.

وفي الوقت نفسه، تؤكد الدراسة أن هذه الأرقام لا تعني أن جميع من غادروا الهول أصبحوا في عداد المفقودين، كما لا تسمح باعتبارهم جميعاً مرتبطين تنظيمياً بـ“داعش”. وتشدد على ضرورة تحديد هوية الأشخاص ومكان وجودهم، وتأمين الحماية والخدمات لهم، مع إجراء تقييم فردي لأوضاعهم وفق القانون.

البيئة المحلية والثغرات الأمنية

ولا تزال البادية السورية، بحسب الدراسة، توفر للتنظيم مساحة يمكن لخلاياه استخدامها في الاختباء والتنقل، إلا أن الدراسة لا تعتبر الطبيعة الجغرافية وحدها سبباً لاستمرار نشاط “داعش”.

وترى أن المخاطر تزداد في المناطق التي تضعف فيها المراقبة، خصوصاً في الأرياف والطرق التي تربطها بالمراكز الحضرية، أو عندما تكون قدرة الأجهزة الأمنية المختلفة على تبادل المعلومات محدودة.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن ضعف الخدمات وفرص العمل في شرق سوريا يمكن أن يوفر أرضية تستغلها “داعش” في توظيف المظالم المحلية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الفقر لا يشكل بمفرده دليلاً على قابلية الأشخاص للتطرف.

كما تتناول الدراسة أثر التوترات الطائفية، مشيرة إلى الأحداث الدامية التي شهدتها مناطق الساحل والسويداء خلال عام 2025، وما رافقها من تراجع في مستوى الثقة بين جماعات سورية والسلطة الجديدة.

وبحسب الدراسة، يمكن أن يؤدي استهداف المدنيين إلى نشر الخوف، في حين قد تساهم الاستجابات الأمنية غير المنضبطة في زيادة الفجوة بين السكان والمؤسسات الأمنية، بما يوفر للتنظيم مساحة إضافية للتحرك أو استغلال المظالم.

ومن هذا المنظور، تعتبر الدراسة أن التحقيق في الانتهاكات ومنع العقاب الجماعي لا ينفصلان عن الملف الأمني، بل يدخلان ضمن الإجراءات التي يمكن أن تحد من البيئة التي يستفيد منها التنظيم.

التهديد لا يرتبط بعدد الهجمات فقط

تخلص الدراسة إلى أن “داعش” يواجه تراجعاً في الموارد والقدرة على السيطرة على الأراضي، لكنه يحاول في المقابل اختيار أهداف يمكن أن تحقق أثراً أكبر من حجم العملية نفسها.

ولا تعتبر الدراسة هذا التحول وضعاً ثابتاً، إذ يمكن لطبيعة نشاط التنظيم أن تتغير إذا تبدلت الظروف الأمنية والسياسية والاجتماعية المحيطة به.

وبحسب هذا التقييم، لا تكمن المسألة الأساسية في ارتفاع عدد هجمات “داعش” أو انخفاضها فقط، وإنما في طبيعة البيئة التي يتحرك داخلها التنظيم وقدرته على استغلال الثغرات القائمة، بالتزامن مع انتقال جزء من نشاطه من مساحات البادية إلى أهداف حضرية أكثر تأثيراً.

وترى الدراسة أن احتواء هذا التهديد يرتبط بقدرة الدولة السورية على بناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة، وإدارة ملف المعتقلين وعائلاتهم ضمن إجراءات قانونية، والتعامل مع التوترات المحلية، إلى جانب استمرار التعاون بين سوريا والعراق والتنسيق الدولي في مكافحة التنظيم.

اقرأ أيضاً:نشاط تنظيم داعش في سوريا خلال النصف الأول من 2026.. تراجع الهجمات وتغير بنك الأهداف

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.