التيارات الإسلامية في سوريا: صراع الأدوار بين الإخوان والسلفية
جدّدت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا تمسّكها بوحدة البلاد وحقوق المواطنة المتساوية، ودعت إلى ترسيخ التعددية السياسية وإعداد دستور دائم يُطرح للاستفتاء الشعبي، في بيان صدر عقب اجتماع مجلس الشورى في 27 أيلول الجاري.
وأكدت الجماعة أنها ستبقى «جماعة وطنية مستقلة القرار»، متمسكة بنهجها الإسلامي الوسطي، ومشددة على أهمية الحوار مع مختلف القوى الوطنية ونبذ الطائفية والفئوية. كما رحّبت بانطلاق أعمال مجلس الشعب، ودعت إلى استكمال استحقاقات المرحلة الانتقالية.
ويأتي البيان في وقت تسعى فيه الجماعة إلى تثبيت موقعها في المشهد السياسي السوري الجديد، وسط تساؤلات حول طبيعة مشروعها السياسي، وحدود استقلال قرارها، وعلاقتها بالسلطة الانتقالية، ومدى استعدادها لمراجعة تجربتها الفكرية والتنظيمية.
ولا يقتصر النقاش على مستقبل الإخوان، بل يمتد إلى موقع التيارات السلفية المتعددة، وحدود تأثيرها في المجتمع ومؤسسات الدولة، وطبيعة التنافس أو التقاطع بينها وبين الجماعة، في ظل تحولات سياسية واجتماعية لم تستقر ملامحها بعد.
الإخوان المسلمون: من المعارضة إلى البحث عن موقع جديد
تعود جذور جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى أربعينيات القرن الماضي، وشكّلت على مدى عقود أحد أبرز مكونات المعارضة الإسلامية لنظام حافظ الأسد ونجله بشار الأسد.
وخلال مراحل مختلفة، واجهت الجماعة تضييقاً أمنياً وسياسياً، فيما شكّل القانون رقم 49 لعام 1980 أحد أبرز أدوات تجريم الانتماء إليها، إذ نصّ على عقوبة الإعدام بحق المنتسبين إلى الجماعة.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، برز الإخوان ضمن أطياف المعارضة السياسية، وشاركوا في مؤسساتها، من بينها المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وسط نقاشات حول حجم تمثيلهم الفعلي داخل الشارع السوري، ومدى قدرتهم على تحويل حضورهم التنظيمي والسياسي إلى قاعدة اجتماعية أوسع.
ومع سقوط نظام الأسد، دخلت الجماعة مرحلة مختلفة، لم يعد السؤال فيها مقتصراً على كيفية مواجهة السلطة، بل بات يتعلق بموقعها في النظام السياسي الجديد، وحدود مشاركتها فيه، وطبيعة العلاقة التي ستربطها بمؤسسات الدولة الناشئة.
المرجعية الفكرية وحدود المراجعة
تطرح عودة الجماعة إلى المجال العام أسئلة حول مرجعيتها الفكرية والسياسية، ومدى استعدادها لمراجعة تجربتها السابقة بما يتناسب مع التحولات التي شهدتها سوريا.
وتشير وثائق ومواقف منسوبة إلى الجماعة إلى استمرار حضور المرجعية الإسلامية في تصورها للدولة والمجتمع، ما يفتح نقاشاً حول طبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية ومبادئ المواطنة والتعددية السياسية.
ولا يقتصر هذا النقاش على إعلان الجماعة تأييدها للعمل السياسي أو مشاركتها في الحياة العامة، بل يشمل أيضاً موقفها من تداول السلطة، وحقوق المكونات الدينية والقومية، واستقلال القضاء، والفصل بين المؤسسات الدينية والسياسية.
وفي هذا السياق، برزت دعوات إلى حل الجماعة أو إعادة النظر في بنيتها التنظيمية، نُسبت إلى شخصيات قريبة منها، في مقابل مواقف داخلية رفضت حلها، معتبرة أنها جزء من المشهد الوطني السوري.
ويعكس هذا الجدل نقاشاً حول شكل حضور الجماعة في المرحلة المقبلة، من دون أن يكفي وحده للاستنتاج بأنها تتجه إلى حل نفسها أو إجراء مراجعة فكرية شاملة.
قانون 49: بين إلغاء التجريم والاعتراف السياسي
يمثل ملف القانون رقم 49 لعام 1980 إحدى أبرز القضايا القانونية المرتبطة بمستقبل الجماعة في سوريا.
فإلغاء القانون، إذا أُقرّ نهائياً، يعني إنهاء أحد أبرز القيود القانونية التي استهدفت المنتسبين إلى الجماعة، لكنه لا يعني بالضرورة منحها ترخيصاً حزبياً أو حسم وضعها التنظيمي والسياسي.
وتشير تحركات داخل مجلس الشعب السوري إلى مطالب بإعادة النظر في عدد من التشريعات والقوانين الاستثنائية، وفي مقدمتها القانون رقم 49 لعام 1980، الذي يجرّم الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين رفع العقوبات المرتبطة بالانتماء إلى الجماعة، والاعتراف القانوني بها كتنظيم سياسي، وشروط مشاركتها في الحياة الحزبية ضمن قانون عام يطبّق على مختلف القوى.
وبالتالي، فإن إلغاء القانون لا يحسم وحده مستقبل الجماعة، بل يفتح الباب أمام سؤال أوسع حول الإطار القانوني الذي ستعمل ضمنه مختلف القوى السياسية، بما فيها الإسلامية.
العلاقة مع السلطة الانتقالية: تقاطع أم تنافس؟
لا يمكن فهم موقع الإخوان المسلمين في سوريا الجديدة بمعزل عن طبيعة العلاقة التي ستربطهم بالسلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع.
فالجماعة والسلطة الحالية تنتميان إلى بيئات إسلامية مختلفة من حيث النشأة والتجربة التنظيمية، لكنهما تتحركان اليوم ضمن مشهد سياسي واحد، تتداخل فيه اعتبارات المشاركة والتفاهم والتنافس على النفوذ.
ولا توجد معطيات كافية للجزم بأن العلاقة بين الطرفين تتجه إلى تحالف ثابت أو مواجهة مفتوحة، إذ يرتبط مسارها بطبيعة النظام السياسي الذي سيتشكل، وبالقواعد التي ستنظم المشاركة في مؤسسات الدولة.
كما أن وجود شخصيات أو شبكات ذات خلفيات إسلامية داخل مؤسسات الدولة أو المجتمع لا يكفي بحد ذاته لإثبات خضوعها لتنظيم واحد أو وجود مشروع موحد للسيطرة على مؤسسات الحكم.
لكن النقاش حول نفوذ الجماعة في المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والإعلامية والخيرية يطرح أسئلة تتعلق بالشفافية، ومصادر التمويل، وحدود العمل الحزبي، ومدى خضوع المؤسسات العامة لقواعد قانونية متساوية.
السلفية في سوريا: تيارات متعددة لا مشروع واحد
في المقابل، لا يمكن التعامل مع التيارات السلفية بوصفها كتلة واحدة متجانسة أو اعتبارها امتداداً سياسياً مباشراً لجماعة الإخوان المسلمين.
فالسلفية في سوريا تضم اتجاهات متعددة، تختلف في فهمها للعمل السياسي، وفي موقفها من المشاركة الحزبية، وفي علاقتها بالسلطة والمجتمع.
هناك تيارات تميل إلى العمل الدعوي والاجتماعي، وأخرى تنخرط في الشأن العام بدرجات متفاوتة، فيما ارتبطت بعض الاتجاهات بتجارب مسلحة خلال سنوات الصراع السوري.
ويؤثر هذا التنوع في طبيعة العلاقة بين السلفيين والإخوان، إذ لا تنطلق مواقف الطرفين بالضرورة من تصور واحد للدولة أو للمشاركة السياسية، حتى عندما يتقاطعان في بعض المرجعيات الدينية أو القضايا الاجتماعية.
ومن هنا، فإن المقارنة بينهما لا تقوم بالضرورة على افتراض وجود صراع مباشر على قاعدة اجتماعية واحدة، بل على اختلاف البنية التنظيمية، والمرجعية الفكرية، وأدوات التأثير في المجال العام.
هل تمثل السلفية بديلاً عن الإخوان؟
لا يعني تراجع نفوذ جماعة سياسية أو تعثر مشاركتها في الحكم انتقال جمهورها تلقائياً إلى تيار آخر، كما لا توجد معطيات تتيح افتراض أن التيارات السلفية ستملأ أي فراغ قد تتركه الجماعة.
فالمجتمع السوري يضم اتجاهات دينية واجتماعية وسياسية متعددة، ولا تختزل خياراته في الإخوان والسلفية.
كما أن التدين الاجتماعي أو المحافظة الدينية لا يعنيان بالضرورة تأييد مشروع سياسي إسلامي بعينه، ولا يمكن اعتبار المسلمين السوريين كتلة اجتماعية أو سياسية موحدة خلف تنظيم محدد.
ويتوقف حجم تأثير كل تيار على عوامل مختلفة، من بينها قدرته على بناء حضور اجتماعي، وطبيعة خطابه السياسي، ومدى قبوله بالتعددية، وعلاقته بمؤسسات الدولة، والبيئة القانونية التي ستنظم العمل الحزبي.
لذلك، فإن الحديث عن صراع بين الإخوان والسلفية على تمثيل المجتمع السوري يحتاج إلى التمييز بين الحضور الديني والاجتماعي من جهة، والتمثيل السياسي والتنظيمي من جهة أخرى.
تجارب إقليمية وأسئلة سورية
تطرح تجارب إقليمية، مثل تجربة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وتجربة التيارات الإسلامية في السودان، أسئلة حول العلاقة بين التنظيمات الإسلامية والسلطة، وحدود الفصل بين العمل الحزبي وإدارة مؤسسات الدولة.
لكن هذه التجارب لا يمكن إسقاطها بصورة مباشرة على سوريا، نظراً إلى اختلاف السياق السياسي والاجتماعي، وطبيعة الصراع الذي شهدته البلاد، وتركيبة مؤسساتها الجديدة.
وتكمن أهمية المقارنة في دراسة التحديات التي قد تواجه أي تنظيم سياسي يمتلك مرجعية دينية عندما ينتقل من المعارضة إلى المشاركة في الحكم، ولا سيما ما يتعلق بتداول السلطة، واستقلال المؤسسات، وضمان حقوق القوى والمكونات الأخرى.
وفي الحالة السورية، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت القواعد السياسية والقانونية المقبلة ستمنع احتكار المؤسسات العامة من قبل أي تنظيم، بصرف النظر عن مرجعيته أو خلفيته.
الدولة الجديدة: القانون قبل الاصطفافات
يتجاوز مستقبل التيارات الإسلامية في سوريا مسألة التنافس بين الإخوان والسلفية، ليرتبط بطبيعة النظام السياسي والقانوني الذي ستتبلور ملامحه خلال المرحلة الانتقالية.
فوجود قانون واضح للأحزاب، وضمان حرية التنظيم السياسي، وشفافية التمويل، واستقلال القضاء، والمساواة أمام القانون، تشكل عوامل أساسية في تحديد طبيعة المشاركة السياسية وحدودها.
وفي المقابل، فإن غياب قواعد واضحة أو تأخر إقرارها قد يفتح المجال أمام تفاوت في فرص المشاركة، ويمنح التنظيمات الأكثر تماسكاً أو امتلاكاً للشبكات الاجتماعية قدرة أكبر على التحرك مقارنة بالقوى الأقل تنظيماً.
ولا يقتصر ذلك على الجماعات الإسلامية، بل يشمل مختلف القوى السياسية والاجتماعية التي تسعى إلى تثبيت موقعها في المرحلة الجديدة.
ومن هنا، فإن ضمان التعددية لا يتحقق بمجرد السماح بعودة تنظيم أو استبعاد آخر، بل من خلال قواعد عامة تتيح المشاركة وتحول دون احتكار السلطة أو تقييد الحقوق على أساس الانتماء السياسي أو الديني.
مجتمع متغير وتمثيل غير محسوم
تأتي هذه التحولات في ظل مجتمع سوري شهد خلال سنوات الحرب تغيرات واسعة في بنيته الاجتماعية والسياسية، بفعل النزوح واللجوء، وتراجع مؤسسات الدولة، وتبدل مراكز النفوذ، وصعود أشكال مختلفة من العمل الديني والاجتماعي.
ولا يمكن افتراض أن هذه التحولات أفضت إلى قاعدة اجتماعية موحدة تؤيد تياراً إسلامياً بعينه، كما لا يمكن استبعاد تأثير الدين في الحياة العامة أو التعامل معه بوصفه عاملاً هامشياً.
لكن التحدي أمام مختلف القوى الإسلامية يتمثل في تحديد طبيعة الدور الذي تسعى إلى أدائه: هل هو دور دعوي واجتماعي، أم سياسي وحزبي، أم مزيج من هذه الأدوار؟
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما تتداخل المؤسسات الدينية والخيرية والتعليمية مع العمل السياسي، إذ يصبح الفصل بين النشاط الأهلي والمنافسة الحزبية جزءاً من النقاش حول الشفافية وتكافؤ الفرص.
صراع الأدوار لا يحسمه طرف واحد
لا تزال ملامح موقع التيارات الإسلامية في سوريا الجديدة غير محسومة، سواء على مستوى جماعة الإخوان المسلمين أو التيارات السلفية، في ظل استمرار تشكل النظام السياسي والقانوني للمرحلة الانتقالية.
وتواجه الجماعة أسئلة تتعلق بمرجعيتها الفكرية، وتجربتها السياسية، ووضعها القانوني، وطبيعة علاقتها بالسلطة الانتقالية. أما التيارات السلفية، فتواجه بدورها تحديات تتصل بتنوعها الداخلي، وحدود انخراطها السياسي، وموقفها من التعددية ومؤسسات الدولة.
ولا يتحدد مستقبل هذه القوى بقدرتها على توسيع شبكاتها التنظيمية وحدها، بل أيضاً بالقواعد التي ستنظم العمل السياسي، ومدى انفتاح المجال العام أمام الاتجاهات المختلفة، وقدرة الدولة على ضمان الحقوق والحريات.
وبين الإخوان والسلفية، يبقى السؤال الأوسع متعلقاً بشكل الدولة السورية المقبلة: كيف ستنظم العلاقة بين المرجعيات الدينية والعمل السياسي؟ وما الحدود التي ستضعها أمام مختلف التنظيمات والتيارات؟ تبدو الإجابة مرتبطة بمسار بناء المؤسسات والقوانين، وبطبيعة القواعد التي ستحدد شكل المشاركة السياسية خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضاً:الإخوان المسلمون في سوريا يؤكدون استمرار الجماعة ويدعون إلى نظام تعددي ودستور يُطرح للاستفتاء
اقرأ أيضاً:الإخوان المسلمون في سوريا: من الغياب القسري إلى احتمالات العودة (الجزء الثالث)