موسم الزيتون في سوريا 2026.. محصول وفير وتكاليف تلتهم أرباح المزارعين

تستعد سوريا لموسم زيتون يُتوقع أن يقترب إنتاجه من 955 ألف طن، لكن وفرة الثمار لا تعني بالضرورة أن المزارعين سيجنون عائداً أفضل، في ظل ارتفاع تكاليف القطاف والنقل والعصر، وغياب ضمانات واضحة لتسويق المحصول بأسعار تغطي نفقات إنتاجه. وهكذا، قد يتحول الموسم الجيد زراعياً إلى معادلة خاسرة اقتصادياً، فيما تبقى إدارة الفائض والأسعار رهناً بآليات السوق وإجراءات رقابية لا تكفي وحدها لمعالجة اختلالات القطاع.

وتقدّر وزارة الزراعة إنتاج زيت الزيتون بنحو 191 ألف طن، استناداً إلى أكثر من 101 مليون شجرة، تتوزع بصورة رئيسية في حلب وحمص وإدلب وحماة وطرطوس واللاذقية. لكن الأرقام الإجمالية، مهما بدت واعدة، لا تجيب عن السؤال الأهم للمزارع: كم سيبقى له من قيمة محصوله بعد دفع تكاليف جنيه ونقله وعصره؟

إنتاج مرتفع.. وعائد غير مضمون

بحسب بيانات وزارة الزراعة، يبلغ عدد أشجار الزيتون في سوريا نحو 101.5 مليون شجرة، فيما يُقدّر إنتاج الموسم الحالي بـ954.7 ألف طن من الثمار و190.9 ألف طن من الزيت. وتتصدر حلب المحافظات بنحو 23.3 مليون شجرة، تليها حمص بـ15.2 مليوناً، ثم إدلب بـ13.5 مليوناً وحماة بـ12.6 مليوناً.

ويعزو مدير مكتب الزيتون في الوزارة، المهندس محمد قواس، جانباً من التوقعات الإيجابية إلى الظروف المطرية، فيما يشير بسام الحسين، مدير مكتب العلاقات العامة في الاتحاد العام للفلاحين، إلى أن الأمطار المبكرة حسّنت نمو الأشجار وحجم الثمار في مناطق عدة.

غير أن هذه التوقعات تصطدم بواقع بساتين تضررت خلال السنوات الماضية بفعل التعديات والقطع الجائر، خصوصاً في حلب وإدلب. ويؤكد قواس أن الأشجار المعمرة تحتاج إلى وقت للتعافي، بما يحد من قدرتها الإنتاجية ويترك أثره على الأسر التي تعتمد على الزيتون مورداً أساسياً للدخل.

أجور القطاف تسبق حساب الأرباح

يقول المزارع كنان علي إن سعر كيلو الزيتون يبلغ نحو 70 ليرة، مقابل 80 ليرة في الموسم السابق، بينما تصل أجرة العامل اليومية إلى نحو 1000 ليرة، وقد تستمر عمليات القطاف من أسبوع إلى 15 يوماً بحسب حجم المحصول.

ولا تنتهي النفقات عند هذا الحد؛ إذ تبلغ كلفة النقلة الواحدة نحو 500 ليرة، وقد يحتاج المحصول إلى أربع أو ثماني نقلات، فيما تتراوح أجور القطاف في مناطق مختلفة بين 500 و700 ليرة للكيلوغرام. أما العصر، فتتراوح كلفته بين 500 و600 ليرة وفق الاتحاد العام للفلاحين.

وفي بعض الحالات، يضطر أصحاب الأراضي إلى تقاسم المحصول مع العمال، فيحصل العاملون على ربعه أو ثلثه مقابل القطاف. وبين الأجور والنقل والعصر، تتراجع حصة المزارع الفعلية من قيمة إنتاجه، حتى قبل احتساب بقية الأعباء.

السوق الحرة لا تعالج وحدها اختلالات الموسم

يحذّر الاتحاد العام للفلاحين من أن زيادة المعروض قد تدفع أسعار الزيتون والزيت إلى الانخفاض، بما يفيد المستهلك إذا انعكس التراجع على أسعار البيع، لكنه قد يحوّل الموسم إلى خسارة للمزارع إذا هبطت الأسعار دون كلفة الإنتاج. كما يثير الحسين مخاوف من استغلال بعض التجار وفرة المحصول عبر التخزين أو المضاربة.

ويقترح الاتحاد تنظيم التصدير لتصريف الفائض من دون استنزاف حاجة السوق المحلية، إلى جانب مراقبة التخزين والتجارة والحد من الممارسات الاحتكارية. لكن هذه المطالب تكشف فجوة بين إعلان التوقعات الإنتاجية والاستعداد الفعلي لإدارة نتائجها: فالموسم لا يحتاج إلى تقدير حجمه فقط، بل إلى خطة تسويق واضحة تسبق تراكم المحصول وضغط الأسعار.

من جهته، يقول مدير حماية المستهلك حسن الشوا إن الأسعار تخضع للعرض والطلب، وإن دور المديرية يشمل متابعة الأسعار والفواتير والأوزان، وأخذ عينات من الزيت للتحقق من مطابقتها للمواصفات ومكافحة الغش.

ومع ذلك، تبقى الرقابة على الجودة والأسعار جزءاً من الحل لا بديلاً عن سياسة زراعية متكاملة. فحين تتركز الاستجابة على مراقبة السوق بعد ظهور الاختلالات، يتحمل المزارع القسم الأكبر من المخاطر، بينما تتحدد نتيجة الموسم وفق قدرته المحدودة على مواجهة تكاليف متصاعدة وسوق لا تضمن له استرداد نفقاته. وفي بلد يعاني ضغوطاً اقتصادية واسعة، لا تكفي وفرة الزيتون لإعلان موسم ناجح؛ المعيار الحقيقي هو ما إذا كان الإنتاج سيؤمّن دخلاً مستداماً للمزارعين وزيتاً بسعر محتمل للمستهلكين.

 

اقرأ ايضاً: أجور عصر الزيتون في طرطوس تثير غضب المزارعين بسبب حرمانهم من مخلفات العصر المستخدمة للتدفئة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.