الأطماع الإسرائيلية في الجنوب السوري.. استراتيجية تتجاوز الأمن للسيطرة على المياه والثروات

تتجاوز الأطماع الإسرائيلية في الجنوب السوري الحسابات والمبرّرات الأمنية المعلنة، لتكشف -وفقاً لتقارير إعلامية- عن استراتيجية أعمق تستهدف السيطرة على حوض الموارد المائية، ولا سيما حوض اليرموك، وصولاً إلى النهب المنهجي للثروات الزراعية والجيولوجية، مستغلة ظروف المرحلة الانتقالية وضعف البنية العسكرية والاقتصادية.

السردية الأمنية واجهةً للأطماع الاستراتيجية

بحسب تقرير نشرته صحيفة “الأخبار” اللبنانية، بدت الذرائع الإسرائيلية لاحتلال مناطق جديدة في محافظتي القنيطرة ودرعا مرتكزة في انطلاقتها على منع تشكيل أي تهديد أمني مستقبلي، لتعقبها ذرائع أخرى تحت عنوان «حماية الأقليات» إثر مجازر السويداء. غير أن ما كشفت عنه الباحثة الإسرائيلية، مور ألتشولر، مؤخراً، حول حتمية السيطرة على مصادر المياه والطاقة في جنوب سوريا، يحمل دلالات عميقة تؤكد أن البعد الأمني ليس سوى مدخل مباشر أو غير مباشر للسيطرة على الينابيع، والمياه الجوفية، والكنوز الطبيعية للمنطقة.

ورغم أن تصريحات ألتشولر جاءت في توقيت انتخابي، إلا أنها تطرح تساؤلات جدية حول مدى تقاطعها مع السياسات الفعلية لحكومة الاحتلال وجيشها، لا سيما بالتزامن مع الحراك الدبلوماسي الأميركي للتوصل إلى اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب.

تجريف الأراضي واستنزاف المياه الجوفية

منذ احتلال قمة جبل الشيخ مع سقوط النظام السابق، ركّز جيش الاحتلال توغلاته داخل الأراضي السورية في محيط الجولان المحتل، وتحديداً ضمن مناطق امتداده في القنيطرة، وريف دمشق، ودرعا. وتتطابق الأساليب الإسرائيلية في هذه المناطق؛ إذ تعمد القوات المعتدية إلى تدمير التحصينات العسكرية السابقة، وحرمان المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وردم الآبار، وتجريف المساحات الزراعية.

وتخدم هذه الممارسات سياسة ممنهجة لتجفيف مصادر رزق السكان ودفعهم قسراً لهدم استقرارهم ومغادرة قراهم، على غرار سيناريو الضفة الغربية.

والأهم من ذلك، يهدف هذا الخنق إلى الحدّ من الاستهلاك البشري والزراعي للمياه الجوفية في تلك البقعة، بهدف تعزيز تغذية المخزون المائي داخل الجولان المحتل، خصوصاً في ظل التراجع الحاد في معدلات الهطول المطري خلال السنوات الأخيرة، والتوسع الكبير في حفر الآبار الزراعية.

حوض اليرموك: شريان الجنوب المائي المستهدف

تولي الدوائر الرسمية والبحثية الإسرائيلية اهتماماً استثنائياً بالوضع المائي في المناطق المحاذية للجولان، وخاصة في محافظة درعا التي تحتضن الجزء الأكبر من حوض اليرموك الحاوي على نحو 23 سداً، منها 12 سداً داخل المحافظة نفسها.

وقد ركزت دراسات إسرائيلية سابقة على دراسة التفاعلات الهيدرولوجية بين مصادر المياه الجوفية والصخور، مؤكدة أن الخزانات الجوفية هناك تتغذى من مساحات واسعة تشمل جبل الشيخ، والجولان، وجبل العرب، وعجلون.

كما تناولت دراسات أخرى معدلات استهلاك المياه وتصريف الينابيع في الحوض خلال الفترة الممتدة بين عامي 1971 و2009، علماً أن نحو 80% من المنطقة المشمولة بالدراسات تقع ضمن السيادة السورية.

وعلى الرغم من أن الأراضي المروية في درعا لا تشكل سوى 16% من إجمالي الأراضي الزراعية المستثمرة وفق بيانات عام 2023 الرسمية، إلا أن نهر اليرموك يمثل شريان الحياة الأوحد لمياه الشرب والري. وقد دفعت أزمة العطش المتفاقمة السلطات المحلية سابقاً لتنفيذ مسح للآبار المخالفة التي قُدر عددها بنحو 2800 بئر خلال سنوات الحرب.

ثروات أرضية تحت المجهر: البازلت والسجيل الزيتي

بحسب ما أوردته صحيفة “الأخبار”، لا تقتصر المخاوف على المياه، بل تمتد لتشمل استهداف موارد اقتصادية استراتيجية أخرى في الجنوب، سواء بالاستيلاء المباشر عليها أو بعرقلة توظيفها محلياً.

وتبرز في هذا السياق الأراضي الزراعية التي تُستثمر بنسبة تصل إلى 95.5% من المساحات القابلة للزراعة، إلى جانب الصخور البازلتية الحيوية لأعمال البناء، وإكساء الواجهات، ورصف الطرق.

ويقف في صدارة هذه الثروات “السجيل الزيتي” المتواجد بكثافة في وادي اليرموك ومحيط بلدات تل شهاب، وزيزون، وحيط، حيث يُقدر الاحتياطي بنحو 675 مليون طن، بينما يتراوح متوسط سماكة الغطاء الصخري فوق طبقته بين 113 و129 متراً.

وتُظهر دراسات سابقة لـ«هيئة المسح الجيولوجي» الأميركية أن رواسب حوض اليرموك قد تمتد تحت مئات الكيلومترات المربعة بسماكات تصل إلى 400 متر وفق تقديرات إقليمية.

ونقلت الصحيفة عن خبير نفطي أن تأخر الاستفادة من هذه الثروة كان نتاجاً للحرب والعقوبات، مؤكداً أن الفرصة باتت مهيأة اليوم للاستثمار في ظل ارتفاع الأسعار العالمية للنفط وتوفر التكنولوجيا اللازمة. ولا تقتصر جدوى استثمار السجيل الزيتي على إنتاج الزيت فحسب، بل تمتد لتوليد الكهرباء واستخدام المخرجات الثانوية في صناعة الإسمنت.

استنتاج استراتيجي

في المحصلة، يُشير التقرير إلى أن إسرائيل تبدو غير راغبة في توسيع توغلاتها الميدانية بالجنوب السوري ضمن الحجم الذي يُروج له، بقدر ما تسعى إلى فرض هيمنتها والتحكم بمسارات استثمار أبناء المنطقة لمقدراتهم، مستغلة حالة الضعف الراهنة في سوريا، وتجنب السلطة الانتقالية الانجرار إلى صدام عسكري مباشر يكبح أطماع الاحتلال الاقتصادية والمائية.

 

اقرأ أيضاً:من التوغلات إلى التحصينات.. كيف يتغير الواقع الميداني في الجنوب السوري؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.