التعاون الأمني الأمريكي السوري.. تعديل قيود تصدير السلاح ومواصلة مكافحة داعش
تدخل العلاقات الأمريكية السورية مرحلة جديدة من التعاون الأمني، في ظل تعديل واشنطن سياستها المتعلقة بتصدير المعدات والخدمات الدفاعية إلى سوريا، بالتزامن مع استمرار عمليات مكافحة تنظيم داعش داخل الأراضي السورية من مقر قوة المهام المشتركة في الأردن. وتفتح هذه التطورات المجال أمام بحث أشكال جديدة من التعاون العسكري والأمني بين البلدين، تشمل تطوير قدرات المؤسسات السورية، وتعزيز التنسيق الميداني، ودعم مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية السورية.
وعدّلت وزارة الخارجية الأمريكية، اعتباراً من 1 تشرين الأول/أكتوبر 2026، لوائح التجارة الدولية في الأسلحة، بما يتيح إزالة سوريا من قائمة الدول الخاضعة لسياسة الرفض الشامل لمنح تراخيص تصدير المعدات والخدمات الدفاعية. ولا يعني هذا التعديل الموافقة التلقائية على طلبات التسليح، بل يتيح دراستها بصورة منفصلة وفقاً للضوابط والسياسات الأمريكية المعمول بها.
ويتزامن ذلك مع إعلان الولايات المتحدة وشركائها في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، في 30 أيلول/سبتمبر، استمرار عمليات مكافحة التنظيم في سوريا انطلاقاً من مقر قوة المهام المشتركة في الأردن، بالتوازي مع الإنهاء الرسمي لعملية «العزم الصلب» في العراق، بعد مهمة عسكرية استمرت 12 عاماً.
تعديل قيود تصدير السلاح إلى سوريا يفتح المجال أمام تعاون دفاعي جديد
يمثل تعديل السياسة الأمريكية الخاصة بتصدير المعدات والخدمات الدفاعية إلى سوريا تحولاً في الإطار التنظيمي الذي يحكم التعاملات الدفاعية بين البلدين، إذ يتيح للجهات الأمريكية المختصة النظر في طلبات التصدير بدلاً من إخضاعها لسياسة الرفض الشامل.
ويمكن أن يتيح هذا التغيير دراسة احتياجات المؤسسات العسكرية والأمنية السورية من المعدات والتجهيزات والخدمات الفنية، بما يتناسب مع متطلبات مكافحة الإرهاب وحماية الحدود وتطوير القدرات العملياتية.
لكن نطاق التعاون الفعلي سيظل مرتبطاً بنوعية المعدات المطلوبة، وقرارات الترخيص الأمريكية، وتوافر التمويل، ومدى قدرة المؤسسات السورية على تشغيل التجهيزات وصيانتها.
وفي هذا السياق، قد يشكل استمرار عمليات مكافحة داعش إطاراً عملياً لتطوير التعاون الأمني، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق المسؤوليات العملياتية، بالتوازي مع بحث احتياجات المؤسسات السورية من التدريب والتجهيز.
مكافحة داعش في سوريا بعد الانسحاب الأمريكي
يعكس استمرار عمليات مكافحة تنظيم داعش في سوريا، بالتزامن مع انتقال واشنطن إلى ترتيبات مختلفة في العراق، تبايناً في متطلبات التعاون الأمني الأمريكي مع البلدين.
ففي سوريا، يتقاطع التصدي للتنظيم مع إعادة تنظيم المؤسسات العسكرية والأمنية، وتحديد المسؤوليات بين القوات الحكومية والتشكيلات المحلية، والعمل على توحيد الهياكل القيادية والإدارية.
وبحسب المعطيات الواردة، تستمر المهمة الأمريكية في سوريا من مقر قوة المهام المشتركة في الأردن، رغم الإعلان عن اكتمال انسحاب القوات الأمريكية من الأراضي السورية في 16 نيسان/أبريل 2026.
ويشير هذا الترتيب إلى إمكانية مواصلة الإسناد العملياتي من خارج الأراضي السورية، مع الاعتماد على الشركاء المحليين في تنفيذ المهام الميدانية. وقد يتيح ذلك لواشنطن الحفاظ على دورها في مكافحة داعش من دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر داخل سوريا، مع بقاء طبيعة هذا الدور وحجمه مرتبطين بالترتيبات المعتمدة على الأرض.
دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية
يمثل ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية السورية أحد الملفات التي قد تتأثر بمستقبل التعاون الأمريكي السوري، خصوصاً في ظل استمرار العمليات الرامية إلى مكافحة تنظيم داعش.
فنجاح العمليات الأمنية يتطلب تنسيقاً بين الجهات المعنية، وتبادل المعلومات، وتحديد المسؤوليات، وتوحيد آليات اتخاذ القرار، وهي عوامل قد تساعد في تطوير ترتيبات الدمج وتحويلها إلى تعاون ميداني منتظم.
ويمكن أن يسهم الإسناد الأمريكي، من خلال تبادل الخبرات والمعلومات والتدريب والتجهيز وفق التراخيص المعتمدة، في دعم القدرات المؤسسية السورية. غير أن تحقيق تقدم ملموس في ملف دمج قسد سيظل مرتبطاً بالتفاهمات السياسية والعسكرية بين الأطراف المعنية، وبمدى الاتفاق على سلسلة القيادة والصلاحيات والهياكل التنظيمية.
ومن ثم، فإن استمرار مهمة مكافحة داعش يوفر إطاراً محتملاً للتنسيق، لكنه لا يعني بالضرورة حسم الخلافات المتعلقة بآليات الدمج أو مستقبل القوات والتشكيلات المحلية.
ضبط الحدود السورية وتعزيز التعاون الأمني مع واشنطن
لا تقتصر المصالح الأمنية الأمريكية السورية على مكافحة تنظيم داعش، بل تشمل أيضاً ضبط الحدود ومكافحة شبكات التهريب والحد من تحركات الجماعات المسلحة.
وفي هذا الإطار، قد تسهم الإجراءات السورية الرامية إلى ضبط الحدود مع العراق ولبنان والحد من خطوط إمداد الميليشيات الإيرانية في توسيع مجالات التقاطع الأمني مع واشنطن، إذا أثبتت هذه الإجراءات فاعليتها واستمراريتها.
ويتيح تحسين الرقابة الحدودية تقليص المخاطر المرتبطة بحركة الأسلحة والمقاتلين وشبكات الإمداد، فضلاً عن تعزيز قدرة المؤسسات السورية على التعامل مع التهديدات الأمنية العابرة للحدود.
وقد يشجع ذلك الولايات المتحدة على بحث أشكال إضافية من التعاون مع دمشق، وفقاً لأولوياتها الأمنية ومدى التقدم المحرز في ضبط الحدود ومكافحة الإرهاب.
هل يتيح التعاون الدفاعي الأمريكي تنويع مصادر السلاح السوري؟
قد يفتح تعديل لوائح تصدير المعدات والخدمات الدفاعية المجال أمام سوريا لتنويع خياراتها في مجال التسليح والتجهيز، في وقت لا يزال فيه جزء من منظومات التسليح الروسية السابقة مستخدماً أو قابلاً للاستخدام داخل المؤسسات العسكرية السورية.
ويمكن أن تشمل فرص التعاون المحتملة توفير معدات دفاعية وخدمات فنية وتدريبية، بما يساعد على تطوير بعض القدرات التشغيلية للمؤسسات السورية، وفقاً لما تسمح به التراخيص الأمريكية.
ومع ذلك، لا يعني تعديل السياسة أن الولايات المتحدة ستوافق بالضرورة على تزويد سوريا بأنظمة تسليح متقدمة أو على استبدال منظوماتها الحالية بمعدات أمريكية. إذ يتوقف ذلك على طبيعة الطلبات، والاعتبارات الأمنية والسياسية، والقيود الفنية، والقدرة على توفير التمويل والصيانة والتدريب اللازمين.
وبناءً على ذلك، فإن قياس أثر التعديل يتطلب متابعة التراخيص التي ستُمنح فعلياً، ونوعية التجهيزات التي ستُصدّر، والبرامج التي ستعتمدها المؤسسات المعنية.
انعكاسات التعاون الأمني الأمريكي السوري على الاستثمار والطاقة
يمكن أن تمتد آثار التعاون الأمني المحتمل إلى البيئة الاقتصادية السورية، ولا سيما قطاع الطاقة والاستثمارات المرتبطة به، إذ يؤثر مستوى الاستقرار الأمني في قرارات الشركات وتقييمها للمخاطر التشغيلية واللوجستية.
وقد يسهم تعزيز قدرات المؤسسات على ضبط الأمن والحدود في تحسين حماية المنشآت وطرق الإمداد، وتقليص بعض المخاطر التي تواجه المشروعات الاقتصادية.
وفي المقابل، لا يرتبط جذب الاستثمارات الأمريكية بالتحسن الأمني وحده، بل يتطلب أيضاً بيئة قانونية واضحة، واستقراراً تشريعياً، وتوافر التمويل، وإعادة تأهيل البنية التحتية، إلى جانب معالجة التحديات المرتبطة بتكاليف التشغيل والمخاطر التجارية.
وعليه، قد يشكل التعاون الأمني أحد العوامل الداعمة للحضور الاقتصادي الأمريكي في سوريا، لكنه لا يكفي بمفرده لضمان تدفق الاستثمارات أو إطلاق مشروعات جديدة.
مستقبل العلاقات الأمريكية السورية في المجال العسكري والأمني
تشير التطورات المتعلقة بتعديل قيود تصدير المعدات الدفاعية واستمرار عمليات مكافحة داعش إلى تغير في الأدوات التي يمكن أن تعتمد عليها واشنطن في إدارة تعاونها الأمني مع سوريا.
فبدلاً من حصر العلاقة في متطلبات مكافحة التنظيم، قد تتاح مساحة أوسع لبحث تطوير القدرات العسكرية والأمنية السورية، وتعزيز تبادل المعلومات، وتحسين ضبط الحدود، وتوفير بعض المعدات والخدمات الدفاعية وفقاً للقرارات الأمريكية.
وفي المقابل، يمكن أن تستفيد دمشق من هذا المسار في تطوير قدرات مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وتنويع خياراتها الفنية والتسليحية، وتعزيز قدرتها على إدارة العمليات الميدانية.
لكن مستقبل هذا التعاون سيظل مرهوناً بنتائج مكافحة داعش، والتقدم في إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية، والتفاهمات المتعلقة بدمج قسد، فضلاً عن طبيعة التراخيص الدفاعية التي ستصدرها واشنطن.
وبذلك، تمثل الخطوتان الأمريكية المتزامنتان إطاراً محتملاً لتطوير العلاقة الأمنية بين البلدين، فيما ستتحدد نتائج هذا المسار وفق ما يتحول منه إلى برامج فعلية للتدريب والتجهيز والتنسيق العملياتي.
إقرأ أيضاً: تجاهل سوري لتصريح ترامب عن الجولان.. السيادة على هامش الانفتاح الأمريكي
إقرأ أيضاً: الحسكة: توتر عربي كردي وسط خلافات حول اتفاق دمج «قسد» ومؤسسات الدولة