كيف كشفت الأقمار الصناعية حجم الدمار الممنهج لآثار سوريا بعد الحرب؟
بعد عقود من الحرب، أزاحت صور الأقمار الصناعية الستار عن حجم الكارثة التي طالت التراث الإنساني والأثري في سوريا. ففي دراسة نشرتها مجلة “هيريتدج” (Heritage) العلمية، كشف فريق بحثي من جامعة دارتموث الأمريكية بقيادة الباحث جيسي كاسانا، عن تحديث شامل لرصد واقع أكثر من 200 موقع أثري سوري باستخدام الأقمار الصناعية عالية الدقة.
وأظهرت نتائج الدراسة تحولاً خطيراً في أنماط التدمير؛ حيث لم يعد الأمر يقتصر على “النهب التقليدي”، بل امتد إلى ظاهرة أشد خطورة تُعرف بـ “النهب الآلي” والجرف الكامل للتلال التاريخية.

أربعة أنواع رئيسية للدمار الذي أصاب الآثار السورية
صنّف الباحثون الأضرار والتعديات التي تعرضت لها المواقع الأثرية في سوريا إلى 4 فئات رئيسية:
-
النهب التقليدي (الحفر اليدوي): رصدته الدراسة في نحو 59% من المواقع (116 موقعاً من أصل 199)، مقارنة بـ 13.4% فقط في الفترة بين 2011 و2016.
-
النهب الآلي والتجريف بالجرافات: تدمير شامل يمحو المعالم الأثرية طبقة تلو أخرى.
-
التحصين والإنشاءات العسكرية: تحويل التلال والتلول الأثرية إلى ثكنات وخنادق.
-
التأثر بمخيمات النازحين: إقامة تجمعات سكنية وملاجئ مؤقتة فوق الطبقات التاريخية.

من الحفر اليدوي إلى التجريف الآلي: تحول خطير في عفرين وكوباني
أوضحت الدراسة أن أخطر ما تم توثيقه هو ظهور “النهب الآلي” منذ أواخر عام 2018، لا سيما في وادي عفرين ومنطقة عين العرب (كوباني). إذ أقدمت مجموعات على استخدام الآليات الثقيلة والجرافات لتجريف التلال الأثرية بالكامل بحثاً عن الكنوز والقطع الثمينة.
أبرز المواقع المتضررة من التجريف والنهب:
-
موقع عين دارة: رصدت الصور تجريف كامل مساحة التل الأثري بين عامي 2019 و2022 باستثناء المعبد، مع سرقة تمثال الأسد الحجري الشهير ونقله إلى تركيا.
-
موقع سيروس (نبي هوري): تحول من حفر نهب صغيرة عام 2018 إلى تجريف منهجي كامل بحلول أكتوبر 2020 لحقت به أضرار بالغة بالفسيفساء والآثار.
-
موقع ماري وأفاميا: شهدت هذه المواقع نهباً مكثفاً في سنوات الحرب الأولى (2012–2018) قبل أن تتراجع أعمال الحفر الجديدة وتلتئم الحفر القديمة تدريجياً.

التحصينات العسكرية ومخيمات اللجوء تلتهم التلال التاريخية
لم تسلم المواقع المرتفعة استراتيجياً من الاستغلال العسكري والأمني؛ حيث كشفت صور الأقمار الصناعية عن تحويل مواقع تاريخية بارزة إلى مناطق تمركز:
-
تل إيبلا (تل مرديخ): تحوّل داخل أسواره التاريخية إلى ثكنة تضم عشرات الخنادق وميدان تدريب عسكري منذ 2012 حتى 2022.
-
تل قرقور (وادي العاصي): خضع لتجريف واسع وتحصين عسكري كامل تحول لاحقاً إلى عمليات نهب منظمة.
-
تل البيعة (شرق الرقة): احتضن مخيماً للنازحين ضم أكثر من 120 خيمة بين عامي 2018 و2024، مما أضر بالطبقات السطحية للموقع.



كيف عمل الباحثون؟ منهجية الاعتماد على “عين خبيرة” وتاريخ “كورونا”
أمام غياب سجل وطني رسمي شامل للمواقع الأثرية السورية، استند فريق جامعة دارتموث إلى:
-
أرشيف برنامج “كورونا” الأمريكي: للاستفادة من الصور التاريخية السرية الملتقطة خلال الحرب الباردة، والتي ساعدت في توثيق آلاف المواقع غير المسجلة رسمياً.
-
صور “غوغل إيرث” والأقمار التجارية: المقارنة البصرية المباشرة الدقيقة بين صور ما قبل عام 2010 والصور الحديثة حتى عام 2026 عبر فريق متخصص بدلاً من الاعتماد الكلي على خوارزميات الذكاء الاصطناعي.




دعوة دولية لإنقاذ ما تبقى من تاريخ سوريا
اختتم الباحثون تقريرهم بالتشديد على أن إعادة إعمار سوريا لا يجب أن تقتصر على إعادة بناء المباني والبنية التحتية فقط، بل يجب أن تتضمن حماية التراث الثقافي السوري وتقديم الدعم المادي والفني للخبراء والآثاريين المحلميين، لحماية هذه الثروة التي تشكل هويّة وطنية ومورداً اقتصادياً مستقبلياً للأجيال القادمة.
إقرأ أيضاً: من ماري إلى قلعة دمشق.. الآثار السورية تحت تهديد التخريب والاستثمار
إقرأ أيضاً: آثار تدمر في خطر: نداء استغاثة لإنقاذ لؤلؤة البادية من شبكات التنقيب غير الشرعي