إيجارات حمص تخرج عن السيطرة.. هل تحولت المدينة إلى عبء سكني يطرد سكانها؟

لم يعد العثور على منزل أو محل تجاري في مدينة حمص تحدياً مرتبطاً بالموقع أو المساحة فحسب، بل أصبح معركة يومية مع أسعار إيجارات تتصاعد بوتيرة تفوق قدرة معظم السكان على الاحتمال. ففي مدينة أنهكتها سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، تحوّل السكن من حق أساسي إلى عبء مالي يلتهم الجزء الأكبر من دخول الأسر، وسط غياب أي أدوات حكومية لتنظيم السوق أو الحد من موجة الارتفاع المتسارعة.

ومع تزايد الطلب على العقارات، مقابل محدودية المعروض، سجلت الإيجارات قفزات غير مسبوقة، لتضع آلاف الأسر وأصحاب المشاريع الصغيرة أمام خيارات قاسية بين الاستمرار تحت ضغط الديون أو البحث عن مساكن ومحال أقل كلفة في أطراف المدينة.

إيجارات تضاعفت… ودخول عاجزة عن المواكبة

يؤكد سكان في حمص أن الإيجارات ارتفعت خلال الأشهر الأخيرة بنسب تجاوزت 50%، بينما تضاعفت في بعض الحالات عدة مرات مقارنة بالأعوام الماضية.

فإيجارات المنازل التي كانت تدور حول 100 دولار شهرياً أصبحت تتراوح بين 250 و600 دولار بحسب المنطقة، في حين قفزت إيجارات بعض المحال التجارية من بضع مئات من الدولارات إلى آلاف الدولارات، ما دفع كثيراً من أصحاب الأعمال إلى إغلاق مشاريعهم أو الانتقال إلى مواقع أقل تكلفة.

ويقول مستأجرون إن الزيادة المستمرة في بدلات الإيجار تستنزف القسم الأكبر من دخل الأسرة، وتجبرهم على تقليص الإنفاق على الغذاء والتعليم والخدمات الأساسية، بينما يفرض بعض المالكين دفع عدة أشهر مقدماً، في ظل غياب أي ضوابط تنظم العلاقة بين الطرفين.

التجارة تدفع الثمن أيضاً

لم تقتصر الأزمة على السكن، بل امتدت إلى النشاط الاقتصادي، إذ أصبحت الإيجارات المرتفعة أحد أبرز العوائق أمام افتتاح مشاريع جديدة أو استمرار المشاريع القائمة.

ويؤكد أصحاب محال تجارية أن جزءاً كبيراً من الأرباح يذهب لتغطية بدلات الإيجار، الأمر الذي يقلل جدوى الاستثمار، فيما فضل بعض مالكي العقارات الاكتفاء بعوائد الإيجار المرتفعة بدلاً من استثمار ممتلكاتهم في مشاريع إنتاجية، وهو ما ينعكس سلباً على الحركة التجارية وفرص العمل.

العرض والطلب… وسوق بلا ضوابط

يرى عاملون في القطاع العقاري أن ارتفاع الإيجارات يعود إلى معادلة العرض والطلب، في ظل زيادة أعداد العائدين إلى المدينة مقابل محدودية المساكن الجاهزة، إضافة إلى استمرار اعتبار العقار الملاذ الأكثر أماناً لحفظ الأموال.

لكن هذه المعادلة، بحسب مراقبين، تحولت إلى سوق مفتوحة بلا ضوابط، حيث تتفاوت الأسعار بصورة كبيرة حتى داخل الحي الواحد، بينما بات تحقيق أعلى عائد ممكن هو المحرك الأساسي لجزء من المالكين، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية لمعظم السكان.

غياب التنظيم… والحكومة خارج المشهد

ورغم اتساع الأزمة، تؤكد محافظة حمص عدم وجود أي جهة مخولة بتحديد القيم الإيجارية أو تنظيم السوق، معتبرة أن الملف يدخل ضمن الأملاك الخاصة، ولا توجد حالياً آلية قانونية تتيح التدخل في تحديد الأسعار.

ويعكس هذا الموقف، بحسب متابعين، استمرار غياب سياسة إسكانية واضحة لدى الحكومة السورية الانتقالية، التي ما تزال تكتفي بدور المتفرج أمام واحدة من أكثر الأزمات المعيشية تأثيراً في حياة السوريين، دون طرح حلول عملية تحد من انفلات الأسعار أو توسع المعروض العقاري.

أزمة مرشحة للتفاقم

ويرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة تتجاوز قوانين العرض والطلب، إذ ترتبط أيضاً بتراجع مستويات الدخل، وضعف القوة الشرائية، وعودة أعداد من المهجرين، إضافة إلى محدودية مشاريع الإسكان والاستثمار العقاري.

ويحذرون من أن استمرار هذا الواقع سيدفع مزيداً من الأسر نحو أطراف المدينة والريف، ويزيد من الاكتظاظ، ويضغط على الخدمات والبنية التحتية، فضلاً عن انعكاساته على النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار.

وفي ظل غياب مؤشرات على زيادة المعروض السكني أو إطلاق مشاريع إسكان حقيقية، تبدو سوق الإيجارات في حمص مرشحة لموجات جديدة من الارتفاع، بينما تتسع الفجوة بين دخول السوريين وتكاليف السكن، لتتحول المدينة تدريجياً إلى مكان يصعب على كثير من سكانها تحمل كلفة البقاء فيه، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية وعجز الحكومة الانتقالية عن تقديم حلول تتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجتها.

اقرأ أيضاً: أزمة السكن في إدلب: الإيجارات تلتهم رواتب الموظفين والطبقة المتوسطة تواجه شبح الهجرة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.