كارثة عبارة دير الزور.. هل فضحت المأساة فشل حلول العبور المؤقتة؟

لم تكن رحلة عبور قصيرة بين ضفتي الفرات في دير الزور سوى فصل جديد من مأساة تعيشها المحافظة منذ سنوات. فمع غرق عبارة نهرية كانت تقل عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، عاد نهر الفرات ليبتلع ضحايا جدد، في حادثة أعادت إلى الواجهة هشاشة البنية التحتية، وفشل الحلول المؤقتة، واستمرار اعتماد آلاف السكان على وسائل نقل تفتقر إلى أبسط معايير الأمان، بينما ما تزال مشاريع إعادة تأهيل الجسور تراوح مكانها.

الحادثة لم تكشف فقط ضعف إجراءات السلامة، بل عرّت واقعاً خدمياً مأزوماً، يجد فيه السوريون أنفسهم مضطرين إلى المخاطرة بحياتهم كل يوم، في ظل غياب بدائل آمنة وتأخر تنفيذ المشاريع الحيوية التي كان يفترض أن تنهي هذا المشهد منذ سنوات.

رحلة انتهت في قاع النهر

بحسب شهادات ناجين، بدأت المأساة عندما تعطلت العبارة بعد دقائق من انطلاقها، قبل أن يجرفها التيار القوي نحو الجسر الحربي، حيث اصطدمت به وانقلبت بمن عليها.

ويؤكد عدد من الركاب أن العبارة كانت تحمل ركاباً يفوقون طاقتها الاستيعابية، فيما كان محركها يعاني أعطالاً واضحة منذ بداية الرحلة، الأمر الذي جعل الكارثة مسألة وقت أكثر من كونها حادثاً مفاجئاً.

ويروي أحد الناجين أنه فقد شقيقيه أثناء الحادث بعدما سقط الجميع في المياه، بينما تمكن هو من النجاة بصعوبة، في وقت بقي فيه مصير عدد من المفقودين مجهولاً لساعات طويلة.

استنفار واسع… وسباق مع تيار الفرات

دفعت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بفرق الإنقاذ المائي والغواصين إلى موقع الحادث، بالتنسيق مع وزارة الدفاع ووزارة الصحة، وبمساندة عشرات المتطوعين والأهالي.

وشملت عمليات البحث استخدام زوارق إنقاذ وطائرات مسيّرة مزودة بكاميرات حرارية، إلى جانب فرق غوص قدمت من الرقة وحلب وإدلب، غير أن قوة التيار واتساع مجرى النهر صعّبا الوصول إلى المفقودين، فيما استمرت عمليات التمشيط لساعات طويلة.

وأكدت الجهات المختصة أن الحصيلة الأولية شملت وفيات وإصابات، إضافة إلى عدد من المفقودين، وسط تضارب في تقديرات عدد الركاب الذين كانوا على متن العبارة.

الجسور الغائبة… والعبارات البديلة

أعادت الكارثة طرح سؤال قديم حول واقع الجسور في دير الزور، بعدما اضطر آلاف السكان خلال الأشهر الماضية إلى الاعتماد على العبارات النهرية بسبب خروج عدد من الجسور الرئيسية عن الخدمة، واستمرار أعمال إعادة تأهيلها.

ورغم إعلان المحافظة قرب افتتاح الجسر العائم، واستمرار العمل في جسر السياسية، فإن السكان ظلوا طوال الفترة الماضية أسرى حلول إسعافية، جعلت العبارات الوسيلة الأساسية للتنقل بين ضفتي المدينة، رغم المخاطر التي تحيط بها.

ويرى مراقبون أن استمرار الاعتماد على هذه الوسائل يعكس بطء تنفيذ مشاريع البنية التحتية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى شبكات نقل آمنة ومستقرة تخفف المخاطر اليومية عن المدنيين.

السلامة… الغائب الأكبر

وتشير المعطيات الأولية إلى أن العبارة لم تكن مجهزة بوسائل السلامة الأساسية، إذ لم يستخدم الركاب سترات نجاة، كما كانت تقل دراجات نارية إلى جانب عشرات الركاب، وهو ما زاد من صعوبة عمليات الإنقاذ بعد انقلابها.

ويؤكد أهالٍ أن التنقل عبر نهر الفرات أصبح مخاطرة متكررة، خاصة مع تغير مناسيب المياه وقوة التيارات، في ظل ضعف الرقابة على وسائل النقل النهري وغياب معايير السلامة اللازمة.

كارثة تكشف أزمة أعمق

فتحت مأساة عبارة دير الزور باباً جديداً للنقاش حول واقع الخدمات في شرق سوريا، حيث لا تبدو الكارثة حادثاً معزولاً بقدر ما تمثل نتيجة مباشرة لتراكم سنوات من تدهور البنية التحتية، واستمرار الاعتماد على حلول مؤقتة لإدارة ملف النقل.

ورغم إعلان الجهات الرسمية فتح تحقيق في ملابسات الحادث، فإن الكارثة أعادت تسليط الضوء على بطء إعادة الإعمار، وعجز الحكومة السورية الانتقالية عن توفير بدائل آمنة للسكان، في وقت ما يزال فيه آلاف المدنيين يعبرون نهر الفرات يومياً على متن عبارات لا تضمن لهم سوى رحلة مفتوحة على احتمالات النجاة أو الغرق.

 

اقرأ أيضاً: نهر الفرات يتحول إلى “مصيدة للأرواح”: 35 حالة غرق بدير الزور منذ مطلع 2026

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

 

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.