استيراد الفروج يعود بعد موجة الغلاء.. قرار متأخر يكشف ارتباك سوق الدواجن في سوريا
بعد أشهر من إغلاق باب الاستيراد وارتفاع أسعار الفروج، تتجه الحكومة الانتقالية إلى السماح مجدداً بإدخال الفروج الحي إلى الأسواق السورية، في خطوة تأتي بعدما عجز الإنتاج المحلي عن تغطية الطلب، وتحولت الدواجن إلى سلعة أثقل على موائد السوريين.
وقال وزير الزراعة باسل السويدان إن قرار السماح باستيراد الفروج الحي متوقع صدوره اليوم الاثنين 31 آب، مشيراً إلى أن الخطوة تأتي ضمن الصلاحيات التي باتت تتولاها اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير. وحتى إعداد المادة، لم يكن القرار قد نشر رسمياً عبر المعرفات الحكومية.
الاستيراد يعود بعد فشل تغطية السوق
لا يبدو قرار السماح بالاستيراد منفصلاً عن واقع السوق خلال الأشهر الماضية. فبحسب الوزير، لم يتمكن مربو الدواجن من تأمين حاجة السوق المحلية بعد توقف الاستيراد، فيما ارتفعت الأسعار تدريجياً في دمشق وحلب والحسكة ودير الزور والرقة والسويداء.
وسجل كيلو الفروج النيئ في دمشق نحو 380 إلى 450 ليرة سورية، بينما تجاوزت أسعار بعض القطع هذه المستويات، ووصل سعر الشرحات إلى نحو 780–850 ليرة، وفق رصد محلي.
وفي حلب، تراوحت الأسعار بين 400 و450 ليرة، مع وصولها في بعض المحال إلى أكثر من 550 ليرة، وسط إغلاق بعض المنشآت لفترات قصيرة بسبب ضعف الإقبال.
هذه الأرقام لا تعكس فقط ارتفاع كلفة الإنتاج، بل تكشف أيضاً أثر خلل العرض والطلب. فحين يُمنع الاستيراد قبل تأمين قدرة محلية كافية على التعويض، تصبح النتيجة المتوقعة سوقاً أكثر ضيقاً وأسعاراً أعلى.
قطاع بلا أرقام دقيقة
المفارقة أن الوزارة، وهي تستعد لإعادة فتح باب الاستيراد، لا تملك إحصائية دقيقة لعدد منشآت تربية الفروج، وفق تصريح الوزير نفسه، مكتفية ببيانات عن عدد المداجن وطاقة الإنتاج والاستيعاب.
وتعمل الوزارة على منصة إلكترونية لمتابعة أعداد أفواج التربية يومياً، فيما نفذت مديريات الزراعة خلال الأشهر الماضية جولات لحصر ممتلكات مربي الثروة الحيوانية.
لكن غياب قاعدة بيانات مكتملة عن قطاع بهذا الحجم يطرح سؤالاً أساسياً حول كيفية اتخاذ قرارات الاستيراد والمنع أصلاً، وحول قدرة الحكومة الانتقالية على التنبؤ بالعجز قبل أن يتحول إلى ارتفاع في الأسعار.
المربي يدفع والمستهلك يتحمل
يبرر الوزير دراسة الاستيراد مع رفع الرسوم الجمركية بحماية المنتج المحلي ومنع إغراق السوق، إلا أن المشكلة أعمق من تحديد رسم جمركي.
فالأعلاف تمثل الجزء الأكبر من كلفة إنتاج الفروج، بينما يضيف تقلب سعر الصرف والمحروقات والكهرباء والنقل أعباء جديدة على المربي. ومع اعتماد جزء أساسي من مستلزمات الإنتاج على الاستيراد، تصبح أي هزة في كلفة التمويل أو سعر الصرف قابلة للانتقال سريعاً إلى المستهلك.
وفي المقابل، حُدد سعر تأشيري يبلغ 265 ألف ليرة سورية للطن، لكن استمرار بيع الطن بأكثر من 2200 دولار، وفق معطيات السوق، يعكس محدودية قدرة التسعير الإداري على ضبط دورة تجارية تتغير فيها الكلفة من مرحلة إلى أخرى.
قرار جديد فوق سوق مضطربة
يصف السويدان قطاع الدواجن بأنه يعاني “فوضى عارمة”، مع انتشار المداجن الصغيرة غير المرخصة واعتماد أساليب إنتاج بدائية ونقص البيانات. وهي اعترافات مهمة، لكنها تأتي بعد أن دفع السوق والمستهلك ثمن ذلك الاضطراب.
فالمطلوب من الحكومة الانتقالية ليس فقط فتح الاستيراد عندما ترتفع الأسعار، أو إغلاقه عندما تريد حماية المنتج المحلي، بل بناء سياسة مستقرة تحدد حجم الإنتاج المطلوب، وحاجات السوق، وحصة الاستيراد، وآليات دعم المربي والرقابة على حلقات التداول.
إعادة الفروج الحي إلى السوق قد تخفف الضغط على الأسعار إذا زاد المعروض فعلاً، لكنها لا تعالج أصل الخلل. ما لم تتغير بنية القطاع وتتوفر بيانات دقيقة وتنخفض كلفة الإنتاج ويستقر قرار الاستيراد، ستبقى الدواجن معلقة بين قرار حكومي وآخر، بينما يدفع المستهلك الفاتورة في كل مرة.
وفي سوق أنهكته القرارات المتبدلة، يبدو الفروج الحي اليوم أقل شبهاً بحل استراتيجي وأكثر شبهاً بمحاولة لإطفاء حريق اشتعل بعدما تأخر التعامل مع أسبابه.
اقرأ أيضاً: بعد ارتفاع الأسعار.. الزراعة السورية تدرس إعادة استيراد الفروج برسوم جمركية أعلى