اقتصاد الأسواق: لماذا لا تنخفض الأسعار في سوريا مع هبوط الدولار؟
تحول سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية من مجرد رقم في نشرات الصرافة إلى مؤشر حاد يحدد أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية في الأسواق المحلية، وسط حالة من الترقب اليومي لدى المواطنين.
ورغم الانطباع الشائع بأن حركة الأسعار ترتبط تلقائياً بسعر الصرف، إلا أن معادلة التسعير في سوريا تخضع لعوامل أكثر تعقيداً ترتبط بهوامش الربح، والتوقعات المستقبليّة للتجار، وسلاسل التوريد.
كواليس التسعير: التكلفة التاريخية مقابل “التكلفة المتوقعة”
يرى الدكتور مظهر يوسف، خبير اقتصاديات الأسعار، أن المسألة لا تقتصر على المعادلة البسيطة (ارتفاع الدولار = ارتفاع الأسعار)، بل يلعب التاجر أو المنتج دوراً مفصلياً في تحديد السعر النهائي للمستهلك.
[ صدمة سعر الصرف / الاستيراد ]
│
▼
[ التاجر: تقييم "التكلفة المتوقعة" ]
│
┌────────────┴────────────┐
▼ ▼
[ صعود الدولار ] [ هبوط الدولار ]
استجابة فورية وحادة استجابة بطيئة ومحدودة
+ هامش تحوط إضافي بسبب خشيَة التقلبات
1. التسعير الاحترازي والتحوط
لا يسعّر التاجر السلعة بناءً على التكلفة (سعر الشراء الفعلي)، بل بناءً على تكلفة إعادة الشراء المستقبليّة. تحسباً لمخاطر استمرار ارتفاع العملة الأجنبية، يُضاف هامش تحوط احترازي على السعر النهائي.
2. ظاهرة “صلابة الأسعار عند الهبوط”
تفسر هذه الآلية سرعة قفز الأسعار مع صعود الدولار مقابل بطء تراجعها عند انخفاضه؛ إذ يتعامل التجار مع تراجع سعر الصرف باعتباره مؤقتاً، أو يعتبرون أن المستوى السعري الجديد أصبح واقعاً معتمداً في السوق.
العوامل المؤثرة في تحديد السعر النهائي
لا يرتبط تأثير سعر الصرف بجميع السلع بنسب متساوية، بل يختلف بناءً على طبيعة السلعة وحجم المدخلات المستوردة بها.
| عامل التسعير | طبيعة التأثير | درجة الحساسية لدولار السوق |
| السلع المستوردة بالكامل | ارتباط مباشر وتأثر سريع بتغيرات الصرف. | مرتفعة جداً |
| السلع المحلية | تتأثر بحسب نسبة المكونات والمواد الخام المستوردة. | متوسطة – متغيرة |
| تكاليف التشغيل | تشمل النقل، المحروقات، الطاقة، والأجور والضرائب. | مرتفعة |
| هوامش الربح والوساطة | تراكم الهوامش عبر تعدد حلقات التوزيع والوسطاء. | تختلف (10% إلى >100%) |
الأبعاد الاجتماعية وتحديات الأمن الغذائي
تأتي ضغوط الأسعار وتآكل القوة الشرائية للأسر في وقت تشير فيه تقارير البنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي إلى تحديات هيكلية حادة:
-
انعدام الأمن الغذائي: يعاني 7.2 ملايين شخص في سوريا من انعدام الأمن الغذائي الحاد، من بينهم 1.6 مليون يواجهون ظروفاً شديدة القسوة.
-
النمو الاقتصادي: تشير التقديرات إلى نمو محدود بنسبة 1%، بعيد انكماش اقتصادي بلغ 1.5%، وسط استمرار قيود السيولة وضغوط التضخم التراكمي.
كيف يمكن تحقيق استقرار حقيقي للأسعار؟
يؤكد خبراء الاقتصاد أن استقرار سعر الليرة السورية وحده ليس كافياً لخفض الأسعار، بل يتطلب حزمة سياسات اقتصادية متكاملة:
-
كسر الاحتكار وتعزيز المنافسة: منع تركز قنوات التوريد والتوزيع في يد فئة محدودة لضمان تمرير الوفر في التكاليف إلى المستهلك.
-
دعم الإنتاج المحلي: تقليل الاعتماد على السلع والمدخلات المستوردة لرفع حصانة السوق أمام الصدمات الخارجية.
-
تطوير الرقابة التنافسية: تفعيل أدوات قياس الفجوة بين التكلفة الفعلية والسعر النهائي للحد مما يُعرف بـ “الضريبة الاحتكارية الخفية”.
إقرأ أيضاً: عودة «فيزا» و«ماستركارد» إلى سوريا: خطوة تقنية في مواجهة أزمة معيشية واقتصادية ممتدة