لماذا تُبقي الحكومة السورية الانتقالية روسيا في سوريا؟ علاقة الضرورة وحدود السيادة

في السياسة، لا يكفي سقوط نظام كي تتغير موازين القوى التي صنعت استمراره. قد يرحل الحاكم، وتتبدل الأعلام والخطابات، لكن الدول التي راكمت نفوذها خلال سنوات الحرب لا تختفي بالسرعة نفسها. ولعل العلاقة بين الحكومة السورية الانتقالية وروسيا تقدم أوضح مثال على ذلك.

موسكو التي قاتلت إلى جانب بشار الأسد، وحمت نظامه سياسياً وعسكرياً، ما تزال موجودة في سوريا بعد سقوطه، فيما تجد دمشق نفسها مضطرة إلى التفاوض معها على مستقبل قواعدها ومنشآتها. وفي الوقت نفسه، صدر حكم قضائي غيابي بالإعدام على الأسد، الذي يقيم في روسيا نفسها.

قد يبدو المشهد متناقضاً، لكنه في الحقيقة يعكس اختلالاً أوسع في ميزان القوة: الحكومة السورية الانتقالية لا تملك ترف طرد الروس، ولا تمتلك من أدوات القوة ما يسمح لها بإعادة رسم العلاقة من موقع الندّ. لذلك، فإن ما يسمى «إعادة تنظيم الوجود الروسي» يبدو أقرب إلى محاولة سورية للتعامل مع واقع مفروض، لا إلى انتصار دبلوماسي مكتمل.

موسكو باقية.. لكن الصيغة تغيّرت

التفاهم الذي أعلن في 9 آب/أغسطس لا يبقي الوضع الروسي كما كان خلال عهد الأسد. فالدولة السورية ستتولى إدارة منشآت مدنية، بينها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في طرطوس، فيما تتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز سورية-روسية للتدريب والتأهيل، خلال فترة انتقالية مدتها ثلاثة أشهر.

قد يبدو ذلك للوهلة الأولى تقليصاً للنفوذ الروسي، لكنه لا يعني بالضرورة خروج موسكو من المعادلة. فالوجود العسكري الروسي، حتى بعد تغيير وظيفته، يظل حضوراً أجنبياً في دولة لا تزال مؤسساتها وقوتها العسكرية والاقتصادية في طور إعادة التشكيل.

ومن الصعب وصف هذه الترتيبات بأنها ثمرة تفوق سياسي لدمشق؛ فالحكومة الانتقالية تفاوض من موقع الحاجة، بينما تملك موسكو أوراقاً صنعتها خلال عقد كامل من التدخل العسكري والسياسي.

دمشق لا توازن القوى.. بل تتكيف معها

لا تملك الحكومة السورية الانتقالية رفاهية اختيار حلفائها أو إعادة توزيع النفوذ الإقليمي وفق ما تريد. تركيا تفرض حضورها بحكم الجغرافيا والمصالح والواقع الأمني، والولايات المتحدة تملك أدوات اقتصادية وسياسية لا تستطيع دمشق تجاهلها، وإسرائيل تفرض وقائع عسكرية وأمنية متزايدة على الأرض السورية، فيما تحتفظ روسيا بقواعد ومصالح ونفوذ راكمته منذ عام 2015.

في هذه المعادلة، لا تتحرك دمشق من موقع اللاعب الذي يوزع الأوراق، وإنما من موقع الطرف الأضعف الذي يحاول منع الآخرين من احتكار المشهد بالكامل.

ومن هنا يمكن فهم تمسكها بخيط العلاقة مع موسكو. ليس لأن الحكومة الانتقالية قادرة على استخدام روسيا كما تشاء، بل لأنها لا تستطيع تجاهلها، ولأن إخراجها بالقوة أو القطيعة قد يفتح على دمشق مواجهة لا تملك أدواتها.

حتى فكرة استخدام الشرطة العسكرية الروسية كضامن في الجنوب، التي طُرحت خلال لقاءات سابقة، تكشف حجم المفارقة: دولة تحاول تثبيت سيادتها تجد نفسها مضطرة إلى الاستعانة بقوة أجنبية كانت شريكاً أساسياً في حماية النظام السابق.

بشار الأسد في موسكو.. والمفارقة مستمرة

تزداد المفارقة وضوحاً مع الحكم الذي أصدره القضاء السوري في 11 آب/أغسطس 2026 بالإعدام غيابياً على بشار الأسد وشقيقه ماهر وعاطف نجيب، على خلفية اتهامات تتعلق بالقتل والتعذيب وجرائم أخرى.

لكن الحكم لم يغير واقعاً أساسياً: الأسد موجود في موسكو، والسلطات الروسية لا تبدو مستعدة لتسليمه.

وهنا تظهر حدود قدرة دمشق بوضوح. فإصدار حكم قضائي شيء، وامتلاك الأدوات السياسية والأمنية لتنفيذه شيء آخر تماماً. تستطيع الحكومة الانتقالية أن تطالب، وأن تفاوض، وأن تصدر مواقف شديدة اللهجة، لكنها لا تستطيع فرض إرادتها على قوة دولية أكبر منها.

وهذا ينطبق أيضاً على الوجود الروسي نفسه. فدمشق تستطيع التفاوض حول المساحات التي يمكن أن تستعيد إدارتها، لكنها لا تستطيع ببساطة أن تأمر موسكو بالمغادرة.

علاقة الضرورة لا علاقة الندية

وفي النهاية، لا تختصر المسألة في لماذا تُبقي الحكومة السورية الانتقالية روسيا في سوريا، بل لماذا تجد دمشق نفسها مضطرة إلى التعامل مع قوى متعددة تملك حضوراً عسكرياً وسياسياً وأمنياً على الأرض، فيما لا تزال قدرتها على فرض إرادتها الكاملة محدودة.

فالمشهد السوري لم يعد ساحة قرار واحدة؛ النفوذ موزع بين قوى إقليمية ودولية وتشكيلات محلية، لكل منها مصالحها وحساباتها وأدوات ضغطها. وفي مواجهة هذا الواقع، تتحرك الحكومة الانتقالية ضمن هامش ضيق، تحاول فيه إدارة التوازنات المفروضة عليها وتجنب الاصطدام مع أطراف تفوقها قدرة ونفوذاً.

وهنا تكمن المعضلة الأعمق: هل تستطيع دمشق، مع مرور الوقت، تحويل هذا الواقع المفروض إلى مرحلة مؤقتة تنتهي باستعادة القرار الوطني، أم أن استمرار تعدد القوى صاحبة النفوذ سيجعل الدولة الجديدة مضطرة دائماً إلى التفاوض من موقع الأضعف؟

فالمشكلة في النهاية ليست بقاء قوة بعينها، وإنما أن القرار السوري نفسه لا يزال موزعاً بين أطراف تملك على الأرض ما يفوق قدرة الحكومة على تغييره. وربما يكون مستقبل سوريا مرهوناً بمدى نجاح دمشق في بناء القوة والمؤسسات التي تجعل وجود أي قوة خارج إطار الدولة حالة مؤقتة، لا جزءاً دائماً من شكل البلاد.

 

اقرأ أيضاً: مذكرة التفاهم السورية الروسية: إعادة رسم النفوذ في حميميم وطرطوس ومستقبل السيادة الوطنية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.