إنتاج القمح يتضاعف في سوريا.. فهل تستغني عن الواردات الروسية؟

أفاد تقرير نشرته The Media Line بأن الارتفاع الكبير في إنتاج القمح السوري خلال موسم 2026 قد يمنح دمشق قدرة أكبر على تقليص اعتمادها على الواردات، ولا سيما الروسية، بعدما أعلنت المؤسسة السورية للحبوب قدرتها على تأمين احتياجاتها من الإنتاج المحلي.

وبحسب التقرير، تجاوز إنتاج القمح السوري ثلاثة ملايين طن خلال الموسم الحالي، مدفوعاً بتحسن الهطولات المطرية وعودة مساحات واسعة من الأراضي إلى الزراعة، في حين اشترت مؤسسة الحبوب نحو 2.7 مليون طن من المزارعين.

وتطرح هذه الأرقام إمكانية خفض فاتورة استيراد القمح وتخفيف الضغط على احتياطي القطع الأجنبي المحدود، لكنها لا تعني بالضرورة أن سوريا حققت اكتفاءً ذاتياً كاملاً، في ظل اختلاف تقديرات احتياجات مؤسسة الحبوب عن إجمالي استهلاك البلاد.

شحنة قمح جديدة تصل إلى طرطوس

ورغم الحديث عن إمكانية الاستغناء عن واردات القمح لتلبية احتياجات مؤسسة الحبوب، وصلت في 11 آب شحنة جديدة إلى ميناء طرطوس، وتحديداً إلى الرصيف رقم 4.

وأشار تقرير The Media Line إلى أن هوية الجهة الموردة والمصدر الأصلي للشحنة لم يتضحا فوراً، كما لم تتوافر معلومات حاسمة حول ما إذا كانت الشحنة مرتبطة بعقد أُبرم قبل إعلان المؤسسة تأمين احتياجاتها، أو أنها مخصصة لاستخدامات أخرى خارج مشتريات المؤسسة.

ولا يعني وصول الشحنة بالضرورة وجود تناقض مع تصريحات مؤسسة الحبوب، إذ قد تكون مرتبطة بعقد سابق، أو مخصصة لتعزيز المخزون الاستراتيجي، أو تضم أنواعاً وكميات لم تشملها عمليات الشراء المحلية.

لكن الشحنة أعادت طرح سؤال أساسي حول الفرق بين قدرة مؤسسة الحبوب على تغطية احتياجاتها محلياً وبين توقف الدولة السورية بصورة كاملة عن استيراد القمح.

هل تحقق سوريا الاكتفاء الذاتي؟

قدرت الوزارة إنتاج القمح في موسم 2026 بأكثر من ثلاثة ملايين طن، مقارنة بنحو 934 ألف طن فقط خلال 2025، ما يعني ارتفاع الإنتاج إلى أكثر من ثلاثة أضعاف خلال عام واحد.

وترى الباحثة الاقتصادية يافا نواف أن وصول مشتريات مؤسسة الحبوب إلى نحو 2.7 مليون طن لا يكفي وحده لإثبات عودة سوريا إلى الاكتفاء الذاتي، لأن الرقم يمثل الكميات التي اشترتها المؤسسة من الفلاحين، وليس إجمالي الإنتاج المحلي أو الاستهلاك الوطني.

وتقدر مؤسسة الحبوب احتياجاتها السنوية بنحو 2.55 مليون طن، وهو ما يعني، وفق تقدير نواف، أن المؤسسة تستطيع خلال موسم 2026 تأمين احتياجاتها من الإنتاج المحلي دون استيراد.

لكن هذه الأرقام تختلف عن تقديرات سابقة قدرت إجمالي استهلاك سوريا من القمح بنحو أربعة ملايين طن.

وتوضح نواف أن الفارق البالغ نحو مليون و45 ألف طن بين الرقمين يعكس على الأرجح اختلافاً في طبيعة الكميات المحتسبة؛ إذ يرتبط الرقم الأول باحتياجات المؤسسة لتوفير الطحين والخبز عبر المنظومة الحكومية، بينما يشمل الرقم الثاني إجمالي استهلاك القمح في البلاد واستخداماته المختلفة.

وعليه، فإن توقف مؤسسة الحبوب عن الاستيراد خلال موسم 2026 قد يعني قدرتها على تغطية احتياجاتها محلياً، لكنه لا يكفي وحده للقول إن سوريا حققت اكتفاءً ذاتياً شاملاً من القمح.

زيادة الإنتاج مرتبطة بالأمطار

ورغم القفزة الكبيرة في المحصول، تحذر نواف من التعامل معها باعتبارها تحولاً بنيوياً مستقراً في القطاع الزراعي السوري.

وتشير إلى أن الجزء الأكبر من الزيادة جاء نتيجة تحسن الهطولات المطرية وعودة مساحات واسعة من الأراضي إلى الزراعة، ما يجعل استمرار مستويات الإنتاج الحالية مرتبطاً أيضاً بالظروف المناخية والجدوى الاقتصادية للمحصول.

وبحسب ما أعلنته وزارة الاقتصاد والصناعة، حُدد سعر شراء القمح للموسم الحالي بنحو 46 ألف ليرة سورية للطن، مع علاوة تبلغ تسعة آلاف ليرة، ليصل إجمالي العائد إلى نحو 55 ألف ليرة للطن.

لكن نواف ترى أن ارتفاع سعر الشراء اسمياً لا يضمن استمرار ربحية زراعة القمح، إذ تعتمد تكلفة الإنتاج على أسعار البذار والأسمدة والوقود والري والحصاد والنقل.

وتزداد هذه التكاليف خلال المواسم التي تتراجع فيها الأمطار، عندما يضطر المزارعون إلى الاعتماد بصورة أكبر على الري وتحمل نفقات إضافية.

الاكتفاء المستدام يحتاج إلى استثمارات

وترى نواف أن الاستغناء المستدام عن واردات القمح يتطلب أكثر من موسم زراعي جيد، ويحتاج إلى دعم مستمر للمزارعين، وتأمين البذار والأسمدة والوقود بأسعار مناسبة، إضافة إلى تطوير شبكات الري والسدود ومرافق التخزين.

كما يتطلب قياس الاكتفاء الذاتي احتساب مجمل الإنتاج والمخزون المتاح، والاستهلاك، والكميات المخصصة للبذار، والخسائر، والقمح الذي يجري تداوله خارج منظومة الشراء الحكومية.

وبالتالي، فإن شراء مؤسسة الحبوب كميات تتجاوز احتياجاتها السنوية لا يعني تلقائياً تغطية كامل احتياجات السوق السورية من القمح بمختلف استخداماته.

وفر محتمل في القطع الأجنبي

وبحسب The Media Line، فإن أهمية محصول 2026 لا تقتصر على تأمين الغذاء، بل تمتد إلى الموارد المالية السورية، في ظل محدودية احتياطي القطع الأجنبي.

وترى الناشطة السياسية السورية مفيدة عنكير، المقيمة في ألمانيا والتي تتابع التطورات المتعلقة بالوجود الروسي في سوريا، أن خفض أو وقف واردات القمح يمكن أن يقلل الضغط على احتياطي العملات الأجنبية.

ومع بلوغ السعر العالمي لطن القمح نحو 250 إلى 300 دولار، فإن استيراد ثلاثة ملايين طن قد يكلف سوريا ما بين 750 و900 مليون دولار، قبل احتساب تكاليف الشحن والتأمين والتمويل.

وتقول عنكير إن إحلال الإنتاج المحلي محل جزء كبير من هذه الواردات يمكن أن يوفر ملايين الدولارات، ويقلل في الوقت نفسه تعرض سوريا لتقلبات الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد.

تراجع الاعتماد على القمح الروسي

وتكتسب المسألة بعداً إضافياً في ظل الدور الذي لعبته روسيا خلال السنوات الماضية باعتبارها واحدة من أهم موردي القمح إلى سوريا، ما جعل تجارة الحبوب جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين.

لكن عنكير تحذر من اعتبار تقليص واردات القمح الروسي مؤشراً على قطيعة اقتصادية بين دمشق وموسكو، مشيرة إلى استمرار اعتماد سوريا على روسيا في قطاعات أخرى، وعلى رأسها الطاقة، إضافة إلى العلاقات التجارية والعسكرية واللوجستية بين الجانبين.

وترى أن تقليص الاعتماد على القمح الروسي قد يضعف أحد أشكال الارتباط الاقتصادي المباشر بروسيا، لكنه لا يعني انتهاء العلاقات الاقتصادية بين البلدين أو تغيرها بصورة جذرية.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.