درعا عطشى فوق حوض اليرموك.. صراع على الماء في الجنوب السوري

تعيش محافظة درعا مفارقة قاسية، فالأرض التي تحتضن حوض اليرموك، أحد أهم مصادر المياه في جنوب سوريا، بات سكانها ينتظرون المياه أسابيع، فيما تضطر عائلات إلى شراء الصهاريج لتأمين احتياجاتها الأساسية.

في بعض قرى المحافظة، يتجاوز انقطاع المياه شهراً كاملاً، بينما تمتد فترة الانتظار بين دورات الضخ في قرى أخرى إلى أكثر من أسبوعين، وعندما تصل المياه، لا تأتي دائماً بالكمية أو الضغط الكافيين لملء خزانات المنازل.

هكذا تحولت المياه في أجزاء واسعة من درعا من مورد طبيعي يفترض أن يكون متاحاً للسكان إلى سلعة مكلفة، ورحلة يومية للبحث عن قطرة ماء.

الأزمة ليست وليدة سبب واحد، سنوات الجفاف وتراجع الهطولات، والاستنزاف المتزايد للمياه الجوفية، وانتشار الآبار العشوائية، وتدهور شبكات المياه ونقص الطاقة، كلها عوامل دفعت المحافظة إلى هذه المرحلة.

لكن في جنوب درعا، حيث يتداخل حوض اليرموك مع الحدود السورية ـ الأردنية ومناطق الجولان، يضاف إلى هذه العوامل عامل آخر أكثر تعقيداً: السيطرة الإسرائيلية المتزايدة على مناطق ومنشآت ومصادر مائية استراتيجية.

حوض اليرموك.. وفرة على الورق وعطش على الأرض

لطالما كان حوض اليرموك واحداً من أهم خزانات المياه في الجنوب السوري. تغذي مياهه الأراضي الزراعية وتوفر مصدراً أساسياً لمياه الشرب، وترتبط منظومته المائية بسوريا والأردن.

لكن السنوات الأخيرة حملت تغيراً كبيراً، فالجفاف وتراجع الأمطار دفعا السكان والمزارعين إلى الاعتماد بصورة أكبر على المياه الجوفية، بينما أدى انتشار الآبار العشوائية والضخ غير المنظم إلى استنزاف المخزون الجوفي.

وفي صيف 2026، تجددت أزمة مياه الشرب في قرى حوض اليرموك مع تراجع منسوب محطة عين ذكر، أحد المصادر الرئيسية التي تعتمد عليها المنطقة.

وأشارت تقارير إعلامية إلى أن انتشار الآبار العشوائية والاستجرار الجائر للمياه ساهم في تراجع إنتاج المحطة، ما انعكس مباشرة على كميات المياه التي تصل إلى القرى.

المشكلة هنا ليست أن المياه اختفت فجأة، بل أن المورد الذي كان قادراً على تلبية احتياجات السكان لم يعد ينتج الكمية نفسها، في وقت لم يتراجع فيه الطلب.

الاحتلال الإسرائيلي.. السيطرة على الماء إلى جانب الأرض

حكاية مياه درعا لا تنتهي عند الجفاف والآبار، فمنذ كانون الأول/ديسمبر 2024، ومع توغل القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة وأجزاء من الجنوب السوري، دخلت مصادر المياه والمنشآت المرتبطة بها في دائرة السيطرة العسكرية.

تحركت القوات الإسرائيلية في مناطق تضم سدوداً وخزانات ومصادر مائية مهمة، بينها مناطق في حوض اليرموك والقنيطرة، ووصلت إلى مواقع قريبة من منشآت يعتمد عليها السكان في الشرب والري.

وفي سد المنطرة تحديداً، وثقت تحقيقات مستقلة سلسلة من الحوادث المرتبطة بالوجود الإسرائيلي.

ووثق مركز “المرصد الإعلامي لمعلومات التكيف الصمود” عشرات الحوادث في محيط السد بين أواخر 2024 ونهاية 2025، بينها قيود على الوصول إلى مناطق مائية وأضرار طالت آباراً وشبكات ومرافق مرتبطة بالمياه.

يقع السد في محافظة القنيطرة، بالقرب من المنطقة العازلة، ويشكل جزءاً من شبكة المياه التي تخدم مناطق واسعة من جنوب سوريا.

ومع السيطرة الإسرائيلية على المنطقة المحيطة به، أصبح الوصول إلى السد وإدارته أكثر تعقيداً، في وقت تعتمد فيه قرى ومناطق زراعية على المياه التي تخزنها المنشأة أو ترتبط بمنظومتها.

وتشير تقارير إلى أن السد يخدم عشرات القرى في القنيطرة وريف درعا، ما يجعل أي تغيير في القدرة على تشغيله أو الوصول إليه ذا انعكاس مباشر على السكان والزراعة.

وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد نقص في كمية المياه، فحين تقع الأرض التي يوجد فيها المصدر المائي، أو المنشأة التي تتحكم بتخزين المياه وتوزيعها، تحت سيطرة عسكرية، فإن السكان لا يخسرون المياه فقط؛ بل يخسرون أيضاً القدرة على الوصول الحر إليها وإدارة مورد أساسي من موارد حياتهم.

أزمة لا يصنعها الاحتلال وحده.. لكنه يضاعفها

ومع أهمية الدور الإسرائيلي، فإن أزمة درعا لا يمكن تفسيرها بعامل واحد.

فالمحافظة دخلت هذه الأزمة وهي تعاني أصلاً من تراجع الهطولات، واستنزاف المياه الجوفية، وانتشار الآبار العشوائية، وتهالك شبكات المياه، وضعف الكهرباء والوقود اللازمين لتشغيل محطات الضخ، هذه العوامل استنزفت قدرة المنظومة المائية على الصمود.

لكن التوغلات والسيطرة على مناطق ومنشآت مائية استراتيجية أضافت طبقة جديدة من التعقيد: مصادر يصعب الوصول إليها، وأراضٍ لا يستطيع السكان استخدامها بحرية، ومنشآت مائية تقع ضمن مناطق عسكرية.

وبذلك تتقاطع أزمة الداخل مع ضغط الخارج، ليجد سكان درعا أنفسهم أمام منظومة مائية تتراجع من جهتين: مورد طبيعي ينضب، ومصادر ومنشآت أصبحت محكومة بواقع عسكري جديد.

الكهرباء موجودة حيناً.. والمياه غائبة

حتى المياه التي يمكن استخراجها من الآبار لا تصل بالضرورة إلى المنازل، فالمضخات تحتاج إلى الكهرباء أو الوقود، والشبكات تحتاج إلى الصيانة، والآبار تحتاج إلى تجهيز وربط حتى تدخل الخدمة.

وفي عدد من المناطق، تتوقف عمليات الضخ بسبب أعطال الكهرباء أو نقص المحروقات، بينما تؤدي الكسور والتسربات في الشبكات إلى هدر جزء من المياه قبل وصولها إلى السكان.

وهناك آبار حفرها الأهالي بجهودهم الخاصة، وثبتت صلاحيتها، لكنها بقيت خارج الخدمة بانتظار استكمال أعمال الربط والتجهيز.

وهكذا تصبح المفارقة أكثر قسوة: قد يكون المصدر المائي موجوداً، لكن لا توجد الطاقة أو الشبكة أو القدرة التشغيلية اللازمة لإيصاله إلى البيت.

الصهريج.. حل مؤقت يتحول إلى عبء دائم

بالنسبة للأهالي، لا تظهر الأزمة في أرقام منسوب المياه فقط، بل في تفاصيل الحياة اليومية، عندما تنقطع المياه لأسابيع، يصبح الصهريج البديل الوحيد.

وفي بعض المناطق وصل سعر الصهريج إلى نحو 200 ألف ليرة سورية، ما يعني أن العائلة التي تحتاج إلى عدة صهاريج شهرياً تنفق جزءاً كبيراً من دخلها على المياه.

وتزداد المعاناة خلال الصيف، عندما ترتفع الحاجة إلى المياه للشرب والنظافة والغسيل، بينما تكون مصادر المياه نفسها في أدنى مستوياتها.

أما العائلات التي لا تستطيع تحمل تكلفة الصهاريج، فتضطر إلى تقليل استهلاكها إلى الحد الأدنى، وانتظار دور الضخ مهما طال.

الزراعة والمواشي.. خسائر تتجاوز مياه الشرب

الماء في درعا ليس مسألة شرب فقط، المحافظة تعتمد على الزراعة وتربية المواشي، وأي انخفاض طويل في المياه ينعكس مباشرة على الإنتاج والدخل.

ارتفاع تكلفة الري، وجفاف بعض الآبار، وصعوبة تأمين مياه المواشي، كلها تدفع المزارعين والمربين إلى تقليص نشاطهم أو تحمل خسائر متزايدة.

وفي منطقة يعتمد فيها جزء كبير من السكان على الأرض، يمكن لأزمة المياه أن تتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية واجتماعية، خصوصاً إذا استمرت لسنوات.

أزمة عطش فوق حوض مائي

ما يحدث في درعا اليوم ليس مجرد انقطاع مياه يمكن حله بعودة الكهرباء أو إصلاح مضخة، إنها أزمة تتراكم فيها عوامل عدة: الجفاف وتراجع الهطولات، الاستنزاف غير المنظم للمياه الجوفية، تدهور شبكات المياه، ضعف الطاقة، وتعقيدات الوصول إلى مصادر ومنشآت مائية تقع ضمن مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

ولهذا، فإن الحلول الطارئة ضرورية، لكنها لن تكون كافية وحدها، تحتاج المحافظة إلى تشغيل الآبار الجاهزة، وإصلاح الشبكات ومحطات الضخ، وتأمين الطاقة، وضبط حفر الآبار والاستجرار الجائر، وحماية مصادر مياه الشرب.

وفي الوقت نفسه، يبقى الوصول إلى مصادر المياه والمنشآت الواقعة في مناطق التوغلات والسيطرة الإسرائيلية جزءاً أساسياً من مشكلة الجنوب السوري، لأن المياه لا يمكن فصلها عن الأرض التي تجري فوقها أو تحتها.

في درعا، لم يعد السؤال فقط: كم بقي من المياه؟

السؤال أصبح أيضاً: أين توجد هذه المياه، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يملك القدرة على التحكم بها؟

فوق حوض اليرموك، الذي كان يوماً رمزاً لوفرة المياه في الجنوب، يقف السكان اليوم أمام واقع مختلف تماماً: مياه أقل، كلفة أعلى، وانتظار أطول، وصراع على مورد لم يعد مجرد خدمة أساسية، بل أصبح جزءاً من معركة الأرض والسيادة والبقاء.

 

اقرأ أيضاً:شبكات تجسس وتجريف مائي: كيف يُحكم الاحتلال قبضته الاستخبارية على حوض اليرموك والقنيطرة؟

اقرأ أيضاً:الجنوب السوري: تحول الماء إلى أداة نفوذ

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.