لماذا لا تزال ضفاف الفرات خارج مشاريع الاستثمار السياحي في سوريا؟

يمتد نهر الفرات مئات الكيلومترات داخل الأراضي السورية، ماراً بمدن وبلدات تضم مواقع تاريخية وأثرية وطبيعة متنوعة، إلا أن هذا الامتداد لم ينعكس حتى اليوم في صورة مشاريع سياحية متكاملة، رغم الإمكانات التي يرى مختصون أنها تؤهل المنطقة لتكون إحدى أبرز الوجهات السياحية في البلاد.

وعلى خلاف العديد من الأنهار حول العالم التي تحولت ضفافها إلى مراكز للنشاط السياحي والاقتصادي، ما تزال المناطق المطلة على الفرات تعتمد بصورة رئيسية على الزيارات الشعبية الموسمية والرحلات العائلية، في ظل غياب استثمارات واسعة في المنتجعات والفنادق والمرافئ النهرية والمرافق الترفيهية.

وتنتشر على طول مجرى النهر معالم طبيعية وتاريخية عدة، من بينها قلعة جعبر، وسد الفرات، والبحيرة الصناعية، إضافة إلى المساحات الخضراء والإطلالات الطبيعية، وهي عناصر يعتقد مختصون أنها تشكل قاعدة مناسبة لإطلاق مشاريع سياحية متنوعة إذا ما توفرت البيئة الملائمة للاستثمار.

تغيرات النهر والبنية التحتية

يرى الكاتب والسياسي درويش خليفة أن أحد أبرز الأسباب التي حالت دون تطوير مشاريع سياحية على ضفاف الفرات يتمثل في التغير المستمر بمنسوب المياه، وما يرافقه من تأثيرات على الأراضي المحاذية للنهر.

وأوضح، أن العقود الماضية شهدت انجرافاً للتربة في عدد من المناطق القريبة من مجرى النهر، كما تعرضت بعض القرى للاندثار نتيجة ارتفاع منسوب المياه في فترات معينة، في حين شهدت فترات أخرى انخفاضاً ملحوظاً في المنسوب، الأمر الذي يجعل إقامة منشآت سياحية دائمة بحاجة إلى بنية تحتية قادرة على التكيف مع هذه المتغيرات.

وأضاف أن نجاح أي مشروع سياحي مستقبلي يتطلب في المقام الأول تشجيع المستثمرين المحليين، معتبراً أن الظروف الحالية لا تزال غير مشجعة بالنسبة للمستثمرين الأجانب بسبب التحديات التي تواجه المنطقة.

عوامل سياسية وأمنية

وأشار خليفة إلى أن مناطق شرق الفرات تأثرت خلال سنوات طويلة بعوامل سياسية وأمنية ومجتمعية انعكست على فرص التنمية والاستثمار، موضحاً أن العلاقات السابقة بين سوريا والعراق، إضافة إلى الملفات المرتبطة بتركيا وتدفق مياه الفرات، كانت من بين العوامل التي أثرت في واقع المنطقة.

وبيّن أن هذه التحديات تنقسم إلى عوامل داخلية تتعلق بالبنية التحتية والخدمات داخل سوريا، وأخرى خارجية ترتبط بإدارة الموارد المائية والعلاقات الإقليمية.

السياحة الشعبية هي السائدة

وبحسب خليفة، فإن النشاط السياحي القائم حالياً على ضفاف الفرات يقتصر في معظمه على السياحة الشعبية، حيث يقصد السكان المحليون ضفاف النهر خلال العطل والمناسبات، دون وجود مشاريع قادرة على استقطاب الزوار من خارج المنطقة.

واعتبر أن منطقة الطبقة، وخاصة محيط قلعة جعبر، تمتلك فرصاً كبيرة لتطوير السياحة، من خلال تنفيذ مشاريع تربط بين القلعة وضفاف النهر، بما يسمح باستقطاب المهتمين بالآثار والباحثين والزوار القادمين من مختلف الدول.

ولفت إلى إمكانية إنشاء منشآت فندقية بالقرب من النهر، شريطة أن تكون منخفضة الارتفاع وتحافظ على المشهد البصري للموقع، بحيث لا تؤثر على القيمة التاريخية لقلعة جعبر أو تحجب الإطلالة الطبيعية على النهر.

جرابلس وفرص الربط السياحي

وأشار خليفة أيضاً إلى أن مدينة جرابلس تمتلك مقومات يمكن أن تعزز النشاط السياحي، معتبراً أن إعادة تأهيل الجسر الواصل بين جرابلس والضفة الأخرى باتجاه مدينة كوباني قد يسهم في تنشيط الحركة المجتمعية والسياحية، إلى جانب تعزيز التواصل بين المجتمعات المحلية على جانبي النهر.

وأكد أن تحقيق الاستقرار الأمني والمجتمعي يمثل الشرط الأساسي لجذب الاستثمارات، موضحاً أن عدداً من المناطق المطلة على الفرات لا يزال يواجه تحديات تحول دون استقطاب المشاريع الكبرى.

وأضاف أن استكمال عملية الاندماج ضمن مؤسسات الدولة وتعزيز التماسك المجتمعي يمكن أن يوفرا بيئة أكثر استقراراً، وهو ما يشكل، بحسب رأيه، قاعدة أساسية لتشجيع رجال الأعمال والمستثمرين المحليين على الدخول في مشاريع سياحية وتنموية.

مقومات سياحية واسعة

من جانبه، قال مدير مركز الدراسات الاقتصادية أحمد هارون إن نهر الفرات يعد من أبرز المقاصد السياحية في سوريا، لما يجمعه من قيمة تاريخية وطبيعة متنوعة، مشيراً إلى وجود عدد من المواقع المهمة على امتداده، من بينها قلعة الرحبة، وكورنيش مدينة دير الزور، وسد الفرات، والبحيرة الصناعية التي تشكلت خلفه.

وأوضح أن سوريا كانت قبل عام 2011 من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وتنوع آثارها، ومناخها، وتعدد أنماط السياحة فيها.

وأشار إلى أن القطاع السياحي حقق في عام 2010 نتائج لافتة، إذ استقبلت البلاد نحو 8.5 مليون سائح، وبلغت الإيرادات السياحية آنذاك نحو 8.4 مليار دولار، فيما ساهم القطاع بنسبة تقارب 14% من الاقتصاد السوري، إضافة إلى توفيره آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

وأضاف أن سوريا تمتلك تنوعاً كبيراً في المقومات السياحية، يشمل المدن التاريخية والمواقع الأثرية مثل دمشق القديمة، وتدمر، وقلعة الحصن، إلى جانب الشواطئ البحرية والنهرية التي تمنحها إمكانات واسعة لتطوير القطاع.

متطلبات استعادة النشاط السياحي

ويرى هارون أن استعادة القطاع السياحي لدوره تتطلب توفير مجموعة من الشروط، يأتي في مقدمتها تحقيق الأمن والاستقرار السياسي، باعتبارهما الأساس لأي عملية استثمار أو تنمية.

كما دعا إلى إعادة تأهيل البنية التحتية في المناطق السياحية، بما يشمل الطرق وشبكات الاتصالات والإنارة والحدائق والخدمات العامة، إلى جانب تطوير الفنادق والاستراحات والمقاهي والمرافق الخدمية بما يتوافق مع متطلبات السياحة الحديثة.

وأشار إلى أهمية إنشاء أسواق متخصصة بالمنتجات التراثية والوطنية في المناطق السياحية، بما يدعم الصناعات المحلية ويمنح الزوار تجربة أكثر تكاملاً.

وأكد كذلك ضرورة إطلاق حملات ترويجية داخل سوريا وخارجها للتعريف بالمقاصد السياحية، إضافة إلى توفير منظومة أمنية خاصة بحماية السياح وتأمين تنقلهم بين المواقع المختلفة.

ولفت إلى أهمية تنويع الأنماط السياحية، عبر دعم السياحة العلاجية، وسياحة المؤتمرات، والسياحة العلمية، بما يوسع قاعدة الزوار ويعزز مصادر الدخل.

وختم هارون بالتأكيد على ضرورة تخصيص اعتمادات مالية كافية للقطاع السياحي ضمن الموازنات الحكومية المقبلة، معتبراً أن تنفيذ هذه الإجراءات بصورة متكاملة يمكن أن يسهم في إعادة تنشيط السياحة السورية واستعادة دورها كأحد القطاعات الداعمة للاقتصاد الوطني، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام استثمار المقومات الطبيعية والتاريخية التي يتمتع بها نهر الفرات ومناطقه المحيطة.

اقرأ أيضاً:سرطان وفقر وغياب للرعاية.. دير الزور تواجه كارثة صحية صامتة تهدد حياة مئات المرضى

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.