عبارات الفرات في دير الزور.. حين تتحول رحلة العبور إلى مقامرة يومية في ظل عجز الحكومة عن تأمين بديل
لم يعد عبور نهر الفرات في دير الزور مجرد انتقال من ضفة إلى أخرى، بل اختبارًا يوميًا للحظ. فكل رحلة تبدأ بمحرك قديم ومنصة حديدية محلية الصنع، وتنتهي بالدعاء أن تصل العبارة إلى الضفة المقابلة قبل أن يسبقها العطل أو التيار أو خطأ بشري.
حادثة غرق العبارة في 12 تموز، التي أودت بحياة عدد من المدنيين بينهم أطفال، لم تكن حادثًا استثنائيًا بقدر ما كانت النتيجة الأكثر قسوة لسنوات من الاعتماد على حلول إسعافية تحولت إلى واقع دائم. فالعبارات التي أنشئت لسد فراغ مؤقت بعد تدمير الجسور، أصبحت اليوم شريان الحياة الوحيد لعشرات آلاف السكان، في مشهد يكشف حجم الفراغ الذي تركته الحرب، وعجز الحكومة السورية الانتقالية عن تحويل الوعود بإعادة الإعمار إلى بنية تحتية تحمي الناس.
عبور محفوف بالخوف
يستعيد مازن الأسعد رحلة لم تغادر ذاكرته، عندما تعطلت العبارة في منتصف النهر، وتحولت الدقائق إلى مشهد من الرعب، بينما ارتفعت صرخات النساء والأطفال وسط مياه الفرات. يقول إن العبارة لم تعد بالنسبة إليه وسيلة نقل، بل مخاطرة مفروضة لا يستطيع تجنبها لإنجاز معاملاته.
هذا الشعور لا يخص مازن وحده. فالطالبة الجامعية ريم الطه تصف كل رحلة نحو جامعتها بأنها مواجهة مع الخوف، خاصة مع اكتظاظ العبارات بالركاب والمركبات، في حين يؤكد سكان أن انتظار العبور لساعات أصبح جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية، وأن أي عطل بسيط قد يشل الحركة بين ضفتي المدينة بالكامل.
بنية تحتية غائبة… وحلول مؤقتة استنزفت عمرها
منذ تدمير جسور دير الزور خلال سنوات الحرب، ثم جرف الفيضانات للجسور الترابية المؤقتة، لم تنجح السلطات في تقديم بديل مستدام. وبدل أن تتحول إعادة بناء الجسور إلى أولوية، بقي السكان رهائن لعبارات تفتقر إلى كثير من معايير السلامة، وتعمل بمحركات بدائية، فيما ترتفع تكاليف العبور لتثقل كاهل الموظفين والطلاب وأصحاب الدخل المحدود.
ويرى الأهالي أن الكارثة الأخيرة كشفت ما كان معروفًا منذ سنوات؛ فالاكتظاظ، وضعف الرقابة، وغياب تجهيزات الإنقاذ، كلها عوامل جعلت وقوع الحوادث مسألة وقت، لا احتمالًا بعيدًا.
وعود بعد الكارثة
وتقول لجنة الاستجابة الطارئة إن افتتاح الجسر الترابي والجسر الحربي سيسمح بإيقاف العبارات داخل مدينة دير الزور، مع الإبقاء عليها مؤقتًا في منطقة الميادين ريثما يُركب جسر بديل هناك، إضافة إلى إخضاعها لفحوص فنية وتشديد إجراءات السلامة.
لكن بالنسبة لكثير من السكان، تبدو هذه الإجراءات متأخرة. فالمشكلة لا تتعلق بعبارة غرقت، بل ببنية تحتية انهارت منذ سنوات، ولم تستطع الحكومات المتعاقبة، بما فيها الحكومة الانتقالية، إخراجها من دائرة الحلول المؤقتة إلى مشاريع إنشائية حقيقية.
اليوم، لا يزال آلاف المدنيين يعبرون الفرات فوق منصات لا تمنحهم سوى الأمل بالوصول، فيما تبقى الجسور الحقيقية مؤجلة، وتبقى حياة الناس معلقة بين ضفتين، في انتظار أن تتحول خطط إعادة الإعمار من بيانات رسمية إلى واقع لا يدفع فيه السوريون ثمن التنقل بأرواحهم.
اقرأ أيضاً: