نفايات وركام في حمص.. عودة المهجّرين تكشف هشاشة الخدمات في مدينة أنهكها الدمار
لم تعد مشكلة النظافة في حمص مجرد ملف خدمي مؤجل، بل تحولت إلى اختبار يومي لمدينة تحاول استعادة حياتها بعد سنوات من الحرب والدمار. فمع عودة نحو 400 ألف مهجّر إلى أحيائها، اصطدمت العودة بواقع خدمي عاجز عن مواكبة حجم التغير السكاني، حيث تتراكم النفايات بجوار الحاويات، وتبقى الأنقاض شاهدة على سنوات لم تُغلق ملفاتها بعد.
في أحياء حمص المختلفة، من الحميدية وبابا عمرو إلى الوعر وكرم الزيتون، تتكرر الشكاوى ذاتها: حاويات قليلة ومتهالكة، تأخر في الترحيل، انتشار للحشرات والقوارض، وغياب لحلول قادرة على الانتقال من المعالجة المؤقتة إلى إصلاح جذري.
مدينة تعود إليها الحياة قبل أن تعود إليها الخدمات
تقول منى الأبرش، من سكان حي الحميدية، إن الأهالي باتوا يعتمدون على جهودهم الخاصة لتنظيف الشوارع، في ظل نقص الحاويات وتأخر وصول سيارات الترحيل، مشيرة إلى أن بعض السكان يلجؤون أحياناً إلى حرق النفايات بعد تراكمها، وسط مخاوف من آثار صحية وبيئية.
وفي الأحياء الجنوبية، يواجه السكان أزمة مشابهة، إذ لم تعد الإمكانات المتاحة كافية لاستيعاب أعداد العائدين، بينما ما تزال مناطق واسعة بحاجة إلى إزالة الركام وإعادة تأهيل البنية التحتية.
أما حي الوعر، الذي كان يوصف سابقاً بـ”حمص الجديدة”، فيواجه واقعاً خدمياً متراجعاً، مع حدائق مهملة وأعشاب يابسة وحاويات متهالكة، فيما يشير السكان إلى أن المشهد يعكس فجوة بين عودة الناس إلى منازلهم وبين قدرة المؤسسات على توفير الحد الأدنى من الخدمات.
أرقام رسمية لا تخفي حجم الأزمة
تقول مديرية النظافة في مجلس مدينة حمص إنها ترحّل يومياً أكثر من 1200 طن من النفايات باستخدام 58 آلية ونحو 240 عاملاً، إضافة إلى شركة خاصة توفر قرابة 400 عامل نظافة.
لكن المدينة الممتدة على مساحة واسعة، والتي شهدت توسعاً سكانياً سريعاً بعد عودة المهجّرين، تحتاج إلى إمكانات أكبر، وفق المديرية، التي تشير إلى أن معظم آلياتها تجاوزت عمرها التشغيلي، وأن نقص الحاويات يمثل أحد أبرز العوائق.
ويؤكد مدير النظافة عماد الصالح أن المدينة تحتاج إلى نحو 400 حاوية جديدة لاستبدال التالف، إضافة إلى 200 حاوية لتغطية المناطق التي عاد إليها السكان.
إدارة الأزمة بدل حلها
يرى خبراء ومراقبون أن أزمة النظافة في حمص ليست مرتبطة فقط بعدد العمال أو الحاويات، بل تكشف ضعفاً أوسع في إدارة المدن الخارجة من الحرب، حيث عادت أعداد كبيرة من السكان قبل استكمال تأهيل الخدمات الأساسية.
وتحاول الجهات المحلية التعويض عبر حملات تطوعية ومبادرات أهلية، لكنها تبقى حلولاً محدودة أمام مشكلة تحتاج إلى خطة طويلة الأمد تشمل إزالة الركام، تحديث أسطول النظافة، وتوسيع البنية الخدمية.
ويشير سكان إلى أن استمرار دفع رسوم النظافة دون تحسن ملموس في مستوى الخدمة يزيد من شعورهم بأن المدينة تُترك لمبادراتها الذاتية، في وقت يفترض أن تتحمل الحكومة السورية الانتقالية مسؤولية إعادة بناء الثقة بالخدمات العامة.
حمص بين ذاكرة الحرب وعبء التعافي
في شوارع حمص، لا تزال آثار الحرب حاضرة في الركام والطرقات المتضررة والمباني المهجورة، لكن عودة السكان أضافت تحدياً جديداً: كيف يمكن لمدينة مدمرة أن تستقبل أبناءها قبل أن تستعيد أدوات الحياة الطبيعية؟
فالنظافة هنا ليست مجرد أكياس قمامة تُرفع من الشوارع، بل مؤشر على قدرة الإدارة الجديدة على التعامل مع إرث ثقيل تركته سنوات الحرب. وبين وعود التحسين وواقع الأحياء، تبقى حمص عالقة في مرحلة انتقالية طويلة، تحاول فيها استعادة سكانها قبل أن تستعيد بنيتها.
اقرأ أيضاً: أزمة النفايات تخنق طرطوس.. حريق “وادي الهدة” وأعطال الآليات ينذران بكارثة بيئية وصحية