واشنطن تبدأ إجراءات رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب
تتجه أنظار الأوساط السياسية والاقتصادية عالمياً نحو واشنطن، بعد الإعلان عن تحول إستراتيجي غير مسبوق في السياسة الأمريكية تجاه دمشق. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عزمه المضي قدماً في إجراءات رفع اسم سوريا من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، في خطوة تمثل أبرز تحول في العلاقات بين البلدين منذ أكثر من أربعة عقود.
وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أن الولايات المتحدة أبلغت الكونغرس رسمياً ببدء هذه الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن إلغاء التصنيف سيصبح نافذاً خلال 45 يوماً ما لم يرفضه المشرعون (وهو أمر مستبعد).
تاريخ التصنيف: لماذا أدرجت واشنطن سوريا على القائمة عام 1979؟
يعود إدراج سوريا على هذه القائمة إلى تاريخ 29 كانون الأول 1979 في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، استناداً إلى قانون المساعدات الخارجية الأمريكي. وجاء القرار آنذاك بناءً على عدة اتهامات وجهتها واشنطن لدمشق، أبرزها:
-
دعم تنظيمات فلسطينية مسلحّة تصنفها واشنطن كمنظمات إرهابية.
-
تقديم الدعم السياسي واللوجستي لحركات إقليمية مثل حزب الله اللبناني في الثمانينيات.
-
تبني سياسات اعتبرتها الإدارات الأمريكية مهددة للاستقرار الإقليمي.
ورغم تغير الإدارات في البيت الأبيض، ظل التصنيف قائماً وتوسع ليشمل حزم عقوبات مشددة بعد عام 2011، كان أبرزها قانون قيصر، والذي أقدم الرئيس ترامب على إلغائه وإقراره رسمياً في كانون الأول 2025، ممهداً الطريق للخطوة الحالية.
ترحيب دمشق: “مسار قائم على الحوار والاحترام المتبادل”
لاقى الإعلان الأمريكي ترحيباً رسمياً واسعاً من قبل الحكومة السورية. واعتبرت وزارة الخارجية السورية في بيان لها أن إبلاغ الرئيس ترامب نظيره السوري بهذه الخطوة يمثل: “تطوراً مهماً في مسار العلاقات بين البلدين، وتأسيساً لمرحلة قائمة على الحوار، الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة”.
أبعاد التحول: إعادة صياغة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
يرى خبراء القانون الدولي والعلاقات الدولية أن القرار يتجاوز كونه مجرد إجراء إداري، بل يعكس إعادة تقييم شاملة للمقاربة الأمريكية في المنطقة.
وفي هذا الصدد، يشير باحثون إلى أن واشنطن توصلت إلى قناعة بأن أدوات الضغط التقليدية، مثل العزلة الاقتصادية والسياسية، لم تعد تحقق نتائجها، بل إن استمرار عزل سوريا قد يؤدي إلى نتائج عكسية مثل:
-
إضعاف مؤسسات الدولة وخلق فراغ أمني تستفد منه التنظيمات المتطرفة.
-
زيادة الاعتماد الاقتصادي والسياسي لدمشق على حلفائها التقليديين كإيران وروسيا والصين.
وبناءً على ذلك، بدأت واشنطن تتعامل مع سوريا باعتبارها جزءاً رئيساً من معادلات الاستقرار الإقليمي في منطقة غرب آسيا.
دوافع إعلان ترامب: الاستقرار وإعادة الإعمار والتنافس الدولي
تتحكم عدة اعتبارات إستراتيجية في هذا التوجه الأمريكي الجديد، أبرزها:
-
تمهيد الطريق لإعادة الإعمار: تدرك واشنطن أن مشاريع إعادة إعمار سوريا تتطلب استثمارات ضخمة من القطاع الخاص والشركات العالمية. رفع التصنيف يمنح “رسالة طمأنة” للبنوك الدولية وشركات التأمين والمستثمرين عبر خفض المخاطر القانونية.
-
دعم الاندماج العربي: ينسجم القرار مع الرؤية الأمريكية لدعم إعادة دمج سوريا في محيطها العربي، مما يتيح لدول الخليج لعب دور اقتصادي أكبر.
-
التنافس الجيوسياسي: تسعى الولايات المتحدة لضمان موطئ قدم لها ولشركاتها الغربية في السوق السورية مستقبلاً، وعدم ترك الساحة بالكامل للقوى المنافسة على شواطئ شرق المتوسط.
ماذا يعني القرار السير بمساره النهائي؟ (الآثار السياسية والاقتصادية)
وصف وزير الخارجية ماركو روبيو هذه الخطوة بـ “التاريخية”، مؤكداً أنها تفتح فصلاً جديداً للشعب السوري وتمنحه فرصة للاستثمار والتجارة الدولية. ومع ذلك، يجمع الخبراء على أن الآثار لن تظهر بشكل فوري، وتتلخص في التالي:
على المستوى السياسي:
يمثل القرار اعترافاً أمريكياً ضمنياً بالدولة السورية كشريك يمكن التعامل معه، مما يشجع دولاً أخرى على تطبيع وتوسيع علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق.
على المستوى الاقتصادي:
يسهل العمليات المالية، والتحويلات البنكية، وفتح الاعتمادات المستندية، مما يحفز الشركات الأجنبية على دراسة فرص الاستثمار في قطاعات الطاقة، الإسكان، والبنية التحتية.
رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يعني تلقائياً إلغاء كافة العقوبات الأمريكية الأخرى (مثل العقوبات المفروضة على شخصيات أو كيانات محددة، أو القوانين المرتبطة بمكافحة غسل الأموال)، مما يعني أن التعافي الاقتصادي الكامل يتطلب مساراً طويلاً مرتبطاً بالإصلاحات الداخلية وبناء الثقة مع المجتمع الدولي.
إقرأ أيضاً: تجاهل سوري لتصريح ترامب عن الجولان.. السيادة على هامش الانفتاح الأمريكي
إقرأ أيضاً: ترامب يلوّح بإزالة سوريا من قائمة الإرهاب… هل يتحول ملف حزب الله إلى بوابة التقارب مع واشنطن؟