الاقتصاد العالمي يتباطأ.. هل تستطيع سوريا تحويل أزمات الجغرافيا السياسية إلى فرصة للخروج من العزلة؟
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك وفق قواعد السوق وحدها، إذ باتت الحروب والتوترات السياسية وأمن الطاقة تتحكم بدرجة متزايدة في حركة التجارة والاستثمار والنمو. وفي ظل اضطراب الممرات البحرية الحيوية وتصاعد الأزمات في الشرق الأوسط، دخل الاقتصاد الدولي مرحلة أكثر هشاشة، انعكست على توقعات المؤسسات المالية الكبرى.
وفي هذا السياق، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال عام 2026 إلى نحو 3 بالمئة، محذراً من أن استمرار التوترات الجيوسياسية، ولا سيما في الشرق الأوسط، سيضيف ضغوطاً جديدة على الأسواق وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة.
وتأتي هذه التحولات في وقت تحاول فيه سوريا إعادة ترتيب اقتصادها بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار، وسط رهان رسمي على مرحلة تعافٍ جديدة، لكن ضمن بيئة دولية مضطربة واقتصاد محلي ما يزال يواجه تحديات عميقة.
اقتصاد عالمي تحت ضغط السياسة
يشير تقرير صندوق النقد إلى أن الاقتصادات لم تعد متساوية في مواجهة الأزمات؛ فالدول التي تمتلك موارد طاقة أو قاعدة إنتاجية وتكنولوجية متقدمة قد تجد فرصاً وسط الفوضى العالمية، بينما تواجه الاقتصادات الهشة أعباء إضافية تتمثل بارتفاع تكاليف الاستيراد وضعف الاستثمار وتراجع القدرة على مواجهة الصدمات.
وتبدو منطقة الشرق الأوسط في قلب هذه المعادلة، إذ إن أي اضطراب في الممرات البحرية، وخاصة مضيق هرمز، ينعكس سريعاً على أسعار النفط وحركة النقل والتجارة العالمية، ما يزيد الضغوط على الدول التي تعتمد على الأسواق الخارجية.
بالنسبة لسوريا، فإن هذه التحولات تحمل مخاطر وفرصاً في آن واحد؛ فموقعها الجغرافي يمكن أن يشكل نقطة قوة ضمن شبكات التجارة الإقليمية، لكن ضعف البنية التحتية وتراجع القطاعات الإنتاجية يجعلان الاستفادة من هذه الفرص مهمة معقدة.
تفاؤل حكومي يصطدم بتحديات الواقع
تتوقع وزارة المالية السورية نمواً اقتصادياً مرتفعاً خلال المرحلة المقبلة، مع تقديرات بوصول النمو إلى نحو 10 بالمئة خلال عام 2026، مستندة إلى تحسن البيئة الاستثمارية، وعودة بعض القطاعات الإنتاجية، وزيادة النشاط الاقتصادي.
كما تراهن الحكومة السورية الانتقالية على عودة جزء من السوريين في الخارج، وتحسن قطاع الطاقة، وزيادة الاستثمارات في البناء والنقل والزراعة والسياحة، باعتبارها محركات أساسية لإعادة تحريك الاقتصاد.
لكن هذه التوقعات تواجه أسئلة صعبة حول قدرة الاقتصاد على تجاوز إرث السنوات الماضية، إذ لا تزال البلاد تعاني من ضعف الخدمات الأساسية، وتراجع الإنتاج، وتآكل القدرة الشرائية، وحاجة واسعة لإعادة تأهيل البنية التحتية.
فالنمو الاقتصادي لا يُقاس فقط بالأرقام الرسمية، بل بقدرته على تحسين حياة المواطنين، وخلق فرص العمل، وتقليص الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة.
الطاقة وسلاسل الإمداد.. مفاتيح التعافي
يرى خبراء اقتصاديون أن الطاقة ستكون العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الاقتصاد السوري، إذ إن تحسين إنتاج النفط والغاز واستقرار الكهرباء يمثلان شرطاً أساسياً لأي نمو حقيقي، سواء في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات.
ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور عصام تيزيني أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة أصبحت فيها الجغرافيا السياسية محدداً رئيسياً للنمو، مشيراً إلى أن أي اضطراب في مناطق الطاقة والممرات التجارية ينعكس على مختلف الأسواق.
ويضيف أن سوريا ليست بمنأى عن هذه المتغيرات، وأن قدرتها على التعامل معها تعتمد على بناء اقتصاد أكثر مرونة، يقوم على الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
كما تمثل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية فرصة محتملة لسوريا بحكم موقعها الجغرافي، لكن استثمار هذه الفرصة يتطلب بنية تحتية حديثة، ومؤسسات فعالة، وبيئة اقتصادية قادرة على جذب الاستثمارات.
فرص قائمة وسط اقتصاد منهك
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر سنجر أن التحولات العالمية قد تمنح الدول النامية فرصاً لإعادة بناء علاقاتها الاقتصادية، وتعزيز التعاون الإقليمي، إلا أن ذلك يحتاج إلى إصلاحات حقيقية تتجاوز الخطط المعلنة.
وبالنسبة لسوريا، فإن الأولويات تتمثل في دعم الزراعة، وتطوير قطاع الطاقة، وتحسين بيئة الأعمال، وتحديث البنية التحتية، وتوفير شروط تسمح بقيام استثمارات منتجة.
لكن استمرار الأزمات الداخلية قد يحول دون الاستفادة من الفرص الخارجية، إذ إن جذب المستثمرين لا يرتبط فقط بالموقع الجغرافي أو الموارد، بل يحتاج إلى استقرار مؤسساتي، وتشريعات واضحة، وخدمات قادرة على دعم النشاط الاقتصادي.
بين فرصة الإنقاذ وخطر استمرار الأزمة
يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة تتداخل فيها السياسة والطاقة والتكنولوجيا والتجارة، ما يجعل الدول الأكثر قدرة على التكيف هي الأوفر حظاً في تجاوز المرحلة المقبلة.
أما سوريا، فتقف أمام اختبار مزدوج: إعادة بناء اقتصاد أنهكته الحرب، ومحاولة الاندماج في عالم اقتصادي أكثر تنافسية وتقلباً.
فالبلاد تمتلك مقومات يمكن أن تشكل قاعدة للنهوض، من موقع استراتيجي وموارد طبيعية وطاقات بشرية، لكن تحويل هذه المقومات إلى نمو فعلي يبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد منتج ومستدام.
وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق نسب نمو على الورق، بل في تحويلها إلى تحسن ملموس في حياة السوريين، وهو الاختبار الذي سيحدد ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستكون بداية تعافٍ حقيقي أم استمراراً لدائرة الانتظار.
اقرأ أيضاً: الاقتصاد السوري بين فوضى الأسواق وضغوط الليرة.. هل فقدت الحكومة أدوات ضبط المعيشة؟