النفط العراقي يعبر سوريا هربًا من أزمات الخليج.. فرصة اقتصادية تصطدم ببنية تحتية منهكة ومخاطر متراكمة
في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب الطويلة، تعود موانئ الساحل السوري إلى واجهة المشهد النفطي الإقليمي، لا بوصفها نتيجة لتعافٍ اقتصادي حقيقي، بل كخيار اضطراري فرضته التحولات الجيوسياسية في المنطقة بعد اضطراب مسارات التصدير التقليدية في الخليج. فالعراق يستعد لتوسيع عمليات تصدير النفط الخام و”النفتا” عبر ميناء بانياس السوري، في خطوة قد تمنح دمشق موردًا ماليًا جديدًا، لكنها في الوقت ذاته تضع اختبارًا صعبًا أمام بنية تحتية متهالكة وواقع أمني ولوجستي لا يزال هشًا.
وبحسب مصادر في قطاع الطاقة نقلت عنها وكالة “رويترز”، فإن بغداد تتجه إلى اعتماد المسار السوري بشكل أوسع بعد تعطل طرق الشحن عبر الخليج خلال الحرب الأمريكية – الصهيونية على إيران، وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة بمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
بانياس.. بوابة نفطية تعود من تحت الركام
تستعد وزارة الطاقة السورية لافتتاح منطقتين جديدتين لتفريغ النفط في بانياس بهدف استيعاب كميات النفط الخام والنفتا العراقية، بينما تؤكد الشركة السورية للبترول استمرار عمليات التفريغ وقدرة الميناء حاليًا على استقبال نحو 900 شاحنة يوميًا.
وكان العراق قد بدأ منذ نيسان الماضي نقل شحنات النفط عبر الأراضي السورية، حيث تُفرغ في خزانات مخصصة ضمن مصفاة بانياس، قبل إعادة ضخها وتحميلها على الناقلات البحرية المتجهة نحو الأسواق الخارجية.
وتسعى بغداد إلى تحويل هذا المسار إلى جزء من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تقليل الاعتماد على منفذ تصدير واحد، إذ من المتوقع أن تصل شحنات النفط الخام العراقية عبر سوريا إلى نحو 50 ألف برميل يوميًا مع بداية تموز المقبل، بالتزامن مع خطط لشركة تسويق النفط العراقية “سومو” لافتتاح مكاتب لها في بانياس.
أرباح محتملة في مواجهة واقع منهك
رغم ما قد توفره عمليات العبور من رسوم مالية لسوريا، فإن الطريق نحو تحويل البلاد إلى ممر طاقة إقليمي ما يزال مليئًا بالعقبات. فشبكات الطرق وخطوط النقل تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب، فيما تعاني المنشآت النفطية من تقادم كبير ونقص مزمن في عمليات الصيانة والتحديث.
وقد أظهرت الوقائع الميدانية حجم هذه التحديات، حيث شوهدت طوابير طويلة من الشاحنات العراقية تمتد لعشرات الكيلومترات باتجاه بانياس، كما سجلت حوادث تسرب للوقود نتيجة حوادث السير، إضافة إلى احتجاجات محلية في شمال شرقي سوريا أدت في بعض الفترات إلى تعطيل مرور الشاحنات بسبب ارتفاع أسعار المحروقات وتردي الظروف المعيشية.
كما أن استمرار الفساد الإداري وضعف كفاءة المؤسسات، إلى جانب غياب الاستقرار الكامل في مختلف الجغرافيا السورية، يثير تساؤلات حول قدرة البلاد على استقطاب مشاريع طاقة واستثمارات أجنبية مستدامة، إذ تبحث الشركات العالمية عادة عن بيئات تتوافر فيها الضمانات الأمنية والقانونية واللوجستية قبل ضخ استثمارات طويلة الأمد.
ممر اضطراري لا يعني تعافيًا اقتصاديًا
تحاول الحكومة السورية تقديم مشروع عبور النفط العراقي باعتباره خطوة نحو إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي بعد سنوات العزلة، إلا أن تحقيق مكاسب حقيقية يتطلب أكثر من فتح طرق عبور جديدة.
فالاستفادة المستدامة من الموقع الجغرافي السوري ترتبط بإعادة تأهيل البنية التحتية، ومكافحة الفساد، وتطوير منظومة الإدارة، وبناء بيئة مستقرة قادرة على حماية الاستثمارات. وإلا فإن تحول سوريا إلى ممر مؤقت للنفط قد يبقى مجرد استجابة ظرفية لأزمات المنطقة، دون أن ينعكس فعليًا على الاقتصاد السوري المنهك أو حياة المواطنين الذين ما زالوا يواجهون أزمات الوقود وارتفاع تكاليف المعيشة يومًا بعد آخر.
اقرأ أيضاً: العراق يوسّع صادراته النفطية عبر سوريا.. مسار شمالي جديد لتعزيز تدفق الخام نحو المتوسط