الفروج في سوريا: سوق يتأرجح بين قرار حماية وواقع أسعار لا يهدأ

تبدو أسواق الدواجن في سوريا وكأنها تعيد إنتاج مشهد مألوف مع كل قرار إداري جديد يتعلق بالاستيراد أو الدعم. فبعد أيام قليلة من إيقاف استيراد الفروج وصوص البياض، سجّلت الأسواق ارتفاعًا جديدًا في أسعار الفروج وأجزائه، في حلقة متكررة تضع المستهلك بين خطاب رسمي يؤكد الوفرة، وواقع سوقي يذهب في اتجاه معاكس.

القرار الذي صدر تحت عنوان “حماية المنتج المحلي” فتح مجددًا نقاشًا قديمًا حول جدوى السياسات الحمائية في سوق هشّ، تتقاطع فيه كلفة الإنتاج المرتفعة مع ضعف القدرة الشرائية وتذبذب سلاسل التوريد.

قرار حمائي… وسوق يقرأه بطريقته

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بررت قرار وقف الاستيراد بالاستناد إلى المرسوم رقم /107/ لعام 2026، معتبرة أنه يهدف إلى دعم المربين وتعزيز الإنتاج المحلي. المؤسسة العامة للدواجن من جهتها أكدت أن القطاع يشهد نموًا وأن القرار سيسهم في تعزيز الاستقرار الإنتاجي.

لكن السوق، كما هو معتاد، لم ينتظر طويلًا ليفسر القرار بطريقته الخاصة. ارتفاع الأسعار الذي تراوح بحسب تقديرات محلية بنحو 10% أعاد فتح السؤال حول الفجوة بين النص الرسمي والنتيجة الفعلية على الأرض.

اتهامات متبادلة: بين “الجشع” و”الاستغلال

في تفسير الحركة السعرية، قدّم رئيس لجنة تربية الدواجن في اتحاد غرف الزراعة نزار سعد الدين قراءة تعتبر الارتفاع “مؤقتًا”، مرجعًا إياه إلى تراجع جزئي في الإنتاج خلال الفترة الماضية، مع توقع عودة الاستقرار تدريجيًا مع توسع التربية بعد قرار الإيقاف.

في المقابل، ذهبت أصوات أخرى في الاتجاه المعاكس، إذ اعتبر أمين سر جمعية حماية المستهلك أن ما يجري لا يتجاوز كونه “استغلالًا للقرار” من قبل بعض التجار، في ظل وجود إنتاج محلي يغطي الحاجة، وفق تقديرات رسمية.

بين هذين الخطابين، يبقى المستهلك في موقع المتلقي النهائي لنتائج لا يملك أدوات التأثير عليها.

فجوة الكلفة… حيث تبدأ الأزمة فعليًا

بعيدًا عن الخطاب الجدلي، تكشف أرقام الإنتاج عن اختلال أعمق في بنية القطاع. إذ تشير تقديرات إلى أن كلفة إنتاج كيلوغرام الفروج محليًا تصل إلى نحو 1.6 دولار، في حين يباع الفروج المستورد بأسعار أقل من ذلك، ما يخلق منافسة غير متكافئة تضغط على المنتج المحلي.

هذا الفارق لا يعكس فقط اختلافًا في منظومة الدعم والإنتاج بين الدول، بل يترجم داخل السوق السورية إلى خسائر متراكمة للمربين، الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين كلفة مرتفعة وسعر بيع منخفض.

قطاع يتقلص منذ الحرب

الأزمة الحالية ليست طارئة. فبيانات القطاع تشير إلى تراجع عدد المداجن العاملة من نحو 12 ألفًا قبل عام 2011 إلى ما يقارب 5300 مدجنة حاليًا، أي بانخفاض يصل إلى نحو 75%.

هذا التراجع البنيوي يجعل أي قرار يتعلق بالاستيراد أو المنع أكثر حساسية، لأنه لا يمسّ سوقًا مستقرة، بل قطاعًا يعيش أصلًا على حافة الانكماش.

بين حماية المنتج المحلي وخطر الانسحاب من السوق

الخبير الاقتصادي جورج خزام يحذر من أن استمرار الضغوط الحالية قد يدفع المزيد من المنتجين إلى الخروج من السوق، ما يعني عمليًا تقليص الإنتاج المحلي وتعزيز الاعتماد على الاستيراد لاحقًا، في مفارقة تعيد إنتاج الأزمة بدل حلها.

وفي خلفية هذا المشهد، تتداخل عوامل متعددة: ارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة، ضعف الرقابة، وتفاوت تكاليف الإنتاج، إلى جانب منافسة خارجية مدعومة بسلاسل إنتاج أقل كلفة.

سوق معلّق بين سياستين

في المحصلة، لا يبدو أن الأزمة تتعلق بقرار استيراد بقدر ما تتعلق ببنية سوق كاملة تعمل تحت ضغط مستمر. فبين محاولة حماية المنتج المحلي، وقدرة المستهلك المحدودة، يبقى قطاع الدواجن عالقًا في منطقة رمادية، حيث لا الاستقرار مضمون، ولا الانفراج قريب.

ومع كل موجة ارتفاع جديدة، يتأكد أن المشكلة ليست في الفروج وحده، بل في المنظومة التي تحكم إنتاجه وتسعيره وتداوله، في بلد تتقاطع فيه السياسة بالاقتصاد داخل أبسط تفاصيل المائدة اليومية.

 

اقرأ أيضاً: الفريكة في شمال شرقي سوريا.. طقس ريفي قديم يقاوم الاندثار في زمن التحولات

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.