سوق دمشق للعملات.. مشروع مؤجل يكشف هشاشة الإصلاح النقدي في سوريا
بعد أكثر من ثلاثة أشهر على إعلان مصرف سوريا المركزي تأسيس سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، لا يزال المشروع حبيس مرحلة “الإعداد”، في مشهد يعكس الفجوة بين الخطط المعلنة والتنفيذ الفعلي، ويعيد طرح الأسئلة حول قدرة الحكومة السورية الانتقالية على تحويل الوعود الاقتصادية إلى مؤسسات قادرة على استعادة الثقة المفقودة بالاقتصاد والقطاع المصرفي.
فالسوق التي رُوّج لها باعتبارها بوابة لتنظيم تداول العملات والذهب، وتوحيد مرجعية أسعار الصرف، ومحاصرة السوق السوداء، لم تتجاوز حتى الآن حدود التصريحات، بينما يواصل الاقتصاد السوري الدوران داخل الحلقة ذاتها؛ تعدد في أسعار الصرف، وسيولة هاربة خارج المصارف، واعتماد متزايد على الدولار والذهب بوصفهما الملاذ الأخير لحماية المدخرات.
إصلاح نقدي مؤجل… أم مشروع بلا مقومات؟
كان المصرف المركزي قد أعلن أن السوق الجديدة ستعمل وفق معايير دولية، وستوفر منصة إلكترونية شفافة تعكس قوى العرض والطلب، بما يسهم في الحد من المضاربات وتعزيز الاستقرار النقدي.
لكن مرور الأشهر دون إطلاقها يكشف أن المشكلة لم تكن في الإعلان، بل في البيئة الاقتصادية التي يفترض أن تحتضن المشروع. فإطلاق سوق منظمة للعملات يحتاج إلى قطاع مصرفي قادر على إدارة السيولة، وإلى احتياطيات نقدية كافية، وإلى ثقة لا تزال غائبة عن الشارع السوري.
وفي تصريح مقتضب، أكد مصرف سوريا المركزي أن السوق لا تزال قيد الإعداد، دون تقديم جدول زمني واضح لإطلاقها، وهو ما يزيد حالة الضبابية التي تحيط بأحد أكثر المشاريع النقدية طموحاً منذ سنوات.
اقتصاد فقد بوصلته
يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن القضية لا تتعلق بإطلاق منصة إلكترونية بقدر ما ترتبط بإعادة بناء النظام النقدي بالكامل بعد سنوات من التشوهات والانهيار.
ويؤكد أن اعتماد سعر صرف حر موجه لا يمكن أن ينجح ما لم يمتلك المصرف المركزي القدرة على إدارة توقعات السوق، وإعادة الكتلة النقدية إلى الجهاز المصرفي، وبناء منظومة قانونية ورقابية تجعل الأسعار انعكاساً حقيقياً للعرض والطلب، لا للمضاربات أو التدخلات.
ويحذر من أن هذه التحولات لا تُنجز بقرارات إدارية، بل تحتاج سنوات طويلة من الإصلاح المالي، معتبراً أن الحديث عن سوق عملات مستقرة قبل معالجة هذه الاختلالات يشبه بناء واجهة حديثة فوق أساسات متصدعة.
السوق السوداء ما تزال صاحبة الكلمة
ويشير المحلل الاقتصادي شادي سليمان إلى أن وجود سوق رسمية للعملات والذهب يمكن أن يحد من الفوضى النقدية ويعيد جزءاً من التداولات إلى القنوات النظامية، لكنه يؤكد أن ذلك يبقى رهناً بقدرة الدولة على استعادة ثقة المتعاملين.
أما أستاذ التمويل والمصارف الدكتور عبد الرحمن محمد، فيرى أن السوق الجديدة يمكن أن تؤدي ثلاث وظائف رئيسية؛ توحيد سعر الصرف، واستيعاب الطلب على الدولار والذهب ضمن إطار رسمي، والمساهمة في بناء احتياطي نقدي أكثر استقراراً.
لكن هذه الأهداف، بحسب الخبراء، ستظل بعيدة المنال إذا بقيت السوق السوداء أكثر سرعة ومرونة من المؤسسات الرسمية، وإذا استمرت الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الحقيقي الذي يفرضه الواقع.
البورصة الضعيفة… والأساس الغائب
ولا تتوقف التحديات عند السياسة النقدية، إذ يرى قوشجي أن سوق دمشق للأوراق المالية نفسها لا تمتلك المقومات التي تسمح لها باحتضان سوق عملات حديثة، في ظل محدودية الشركات المدرجة، وضعف السيولة، وغياب الشركات الإنتاجية الكبرى التي تعكس الاقتصاد الحقيقي.
كما أن الاقتصاد السوري ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على التداول النقدي خارج المصارف، في حين لم تستطع الحكومة السورية الانتقالية حتى الآن إعادة الأموال إلى الدورة المصرفية أو بناء أدوات مالية حديثة تمنح السوق عمقاً واستقراراً.
الثقة أولاً… لا المنصات
يتفق الخبراء على أن التكنولوجيا ليست المشكلة، فإطلاق منصة إلكترونية أمر ممكن في أي وقت، لكن المنصة لن تصنع سوقاً إذا غابت الثقة والسيولة والاستقرار.
ولهذا يؤكد محمد أن نجاح المشروع لن يُقاس بسعر الليرة في يوم الافتتاح، بل بقدرة السوق على التحول إلى مرجعية حقيقية يتخلى عندها المتعاملون طوعاً عن السوق السوداء.
لكن هذا الهدف يبدو بعيداً في ظل استمرار التضخم، وتراجع الاحتياطيات، وضعف البنية المصرفية، وغياب خارطة إصلاح اقتصادي متكاملة.
وفي المحصلة، تبدو سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب اليوم مشروعاً يحمل طموحات كبيرة، لكنه يقف على أرض اقتصادية هشة. فالحكومة السورية الانتقالية تتحدث عن إصلاح نقدي واسع، بينما لا يزال التنفيذ يتعثر عند أول اختبار. وبين وعود الشفافية وواقع التأجيل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تؤسس دمشق لسوق عملات حقيقية، أم تضيف مشروعاً جديداً إلى قائمة الإصلاحات المؤجلة؟
اقرأ أيضاً: إطلاق “سوق دمشق للعملات والذهب” لإنهاء السوق السوداء