الفريكة في شمال شرقي سوريا.. طقس ريفي قديم يقاوم الاندثار في زمن التحولات
مع بداية موسم حصاد القمح في شمال شرقي سوريا، تعود رائحة الفريكة لتتصاعد من بعض القرى كما لو أنها محاولة أخيرة لاستحضار زمنٍ كان فيه الحقل مساحةً للعمل الجماعي والذاكرة المشتركة، قبل أن تفرض سنوات الحرب والنزوح وتبدّل أنماط الحياة واقعًا جديدًا قلّص حضور كثير من العادات الزراعية القديمة.
ورغم انتشار الفريكة الجاهزة في الأسواق وسيطرة الإنتاج الصناعي على جزء كبير من الطلب، لا تزال عائلات في أرياف الحسكة والرقة ودير الزور وعين العرب (كوباني) تتمسك بصناعتها التقليدية، باعتبارها أكثر من مجرد مادة غذائية؛ فهي إرث ثقافي يروي علاقة الإنسان بالأرض ومواسم الخير.
رحلة طويلة من السنابل الخضراء إلى موائد البيوت
تبدأ صناعة الفريكة قبل اكتمال نضج القمح، حين تُجمع السنابل الخضراء بالمناجل، ثم تُحضّر لمرحلة التحميص التي تعدّ أكثر مراحل الإنتاج دقة، حيث تُشعل النيران بطريقة مدروسة لتمنح الحبوب نكهتها المدخنة المميزة دون أن تحرقها.
بعد ذلك، تمر الفريكة بمراحل متعبة من التنظيف والتجفيف والغربلة والدق، وهي أعمال كانت في الماضي تجمع رجال ونساء القرية في مشهد اجتماعي متكامل، تتحول فيه ساعات العمل الطويلة إلى مناسبة للتعاون وتبادل الأحاديث والخبرات.
حين كانت الفريكة تجمع أهل القرية
يستذكر كبار السن في الجزيرة السورية مواسم الفريكة بوصفها أحد أكثر الطقوس ارتباطًا بحياة الريف، حين كانت العائلات تتشارك جمع السنابل وتحميصها وتجهيزها، قبل أن تتراجع هذه المشاهد مع هجرة أعداد كبيرة من الشباب وتراجع الاعتماد على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش.
كما لعبت النساء دورًا محوريًا في الحفاظ على هذا الموروث، إذ تناقلت الأمهات والجدات أسرار إعداد الفريكة بين الأجيال، وحافظن على تفاصيلها بوصفها جزءًا من الهوية المنزلية والغذائية للمجتمع الريفي.
المعامل تغيّر المشهد.. والذاكرة تخسر جزءًا من حضورها
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الفريكة المنتجة في المعامل خيارًا أسهل للأسر، مع ارتفاع تكاليف الزراعة وندرة اليد العاملة وضيق الوقت. ورغم أن الإنتاج الحديث وفّر الكميات المطلوبة للأسواق، فإنه ساهم تدريجيًا في انحسار الطقوس الجماعية التي رافقت صناعة الفريكة لعقود طويلة.
ويرى مختصون بالشأن المجتمعي أن خسارة هذه العادات لا تعني اختفاء طريقة تقليدية لإعداد الطعام فحسب، بل تراجع مساحة من العلاقات الاجتماعية والتكافل الذي كان يشكّل أحد أعمدة الحياة الريفية.
إرث يصارع البقاء
اليوم، تقف الفريكة في شمال شرقي سوريا عند مفترق طرق بين الحداثة والذاكرة؛ فبينما تفرض الظروف الاقتصادية والاجتماعية إيقاعًا جديدًا على حياة الأهالي، يواصل بعض المزارعين والعائلات الحفاظ على هذه الصناعة كنوع من المقاومة الهادئة في وجه النسيان.
ورغم تقلص المساحات التي تُعد فيها الفريكة بالطريقة التقليدية عامًا بعد آخر، ما تزال رائحتها في موسم القمح تحمل رسالة واضحة: أن بعض الحكايات المرتبطة بالأرض يمكن أن تضعف، لكنها لا تختفي بسهولة.
اقرأ أيضاً: ريف حماة الشرقي: موسم شعير استثنائي يتحول إلى خسائر ماليّة للمزارعين