معتقلون مسيحيون في سوريا.. تقرير حقوقي يثير تساؤلات حول أوضاع الأقليات في سوريا
قال تقرير حقوقي قُدّم إلى الأمم المتحدة إن مسيحيين وأفراداً من أقليات دينية وعرقية في سوريا تعرضوا للاحتجاز التعسفي وقيود على ممارسة حقوقهم، إضافة إلى ادعاءات بالتعذيب والابتزاز المالي، في وقت تواجه فيه السلطات الانتقالية تحديات مرتبطة بملف المعتقلين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة.
وأشار تقرير صادر عن منظمة “التضامن المسيحي الدولية” إلى حالات احتجاز من دون محاكمة، وحرمان بعض المعتقلين من ممارسة الشعائر الدينية، إلى جانب بلاغات تتعلق بالتعذيب والضغط المالي على عائلات المحتجزين.
المنظمة: دمشق تواجه تحدياً في ملف العدالة الانتقالية
أقرت المنظمة بأن السلطات السورية تواجه “تحدياً هائلاً” في التعامل مع إرث فترة حكم الرئيس السابق بشار الأسد، مشيرة إلى اعتماد نظام “التسوية” لمعالجة أوضاع أشخاص مرتبطين بالمؤسسات الأمنية والعسكرية السابقة.
وبحسب التقرير، سمح هذا النظام لأفراد من الأجهزة الأمنية السابقة بتسليم أنفسهم وأسلحتهم، والحصول على بطاقات هوية جديدة بعد التحقق من عدم وجود شبهات بارتكاب جرائم خطيرة.
لكن المنظمة قالت إن آلاف الأشخاص ما زالوا محتجزين من دون محاكمات، إما بسبب ارتباطات سابقة بالنظام أو على خلفية مواقف سياسية وممارسات اعتبرها التقرير ضمن الحقوق التي يكفلها القانون.
قضية رئيس بلدية صدد المحتجز منذ شباط 2025
واستعرض التقرير حالة سليمان خليل، الذي شغل منصب رئيس بلدية صدد في ريف حمص بين عامي 2012 و2016، وقال إنه اعتُقل في 8 شباط/فبراير 2025، ولا يزال محتجزاً من دون توجيه تهمة رسمية إليه أو السماح له بالاستعانة بمحامٍ.
وأضافت المنظمة أن خليل لم يُبلّغ بالأدلة المقدمة ضده، كما حُرم من التواصل المنتظم مع عائلته، مشيرة إلى أن أسرته أكدت انتماءه إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، لكنها نفت مشاركته في أي عمليات قتالية.
وتُعد صدد من البلدات ذات الغالبية المسيحية، وكانت قد تعرضت لهجمات من تنظيم “داعش” وجبهة النصرة، التي سيطرت على البلدة لفترة قصيرة.
ووفق التقرير، يُحتجز خليل في سجن حمص المركزي، حيث حُرم من العلاج لمشكلات صحية، بينها انزلاق غضروفي ومشكلات في الأذنين، كما تحدث التقرير عن ادعاءات بتعرضه للتعذيب.
وأشار التقرير أيضاً إلى أن خليل مُنع من ممارسة شعائره الدينية بصفته مسيحياً سريانياً أرثوذكسياً، في حين قالت قريباته إنهن أُجبرن خلال زيارات محدودة على ارتداء الحجاب والعباءة، ولم يُسمح لهن بإحضار صليب أو نسخة من الكتاب المقدس.
حالات احتجاز وابتزاز مالي واختفاء نساء
وتناول التقرير حالات أخرى قال إنها شملت مسيحيين في مناطق صيدنايا وجرمانا ووادي النصارى، مشيراً إلى أن بعض عمليات الاحتجاز ارتبطت بمحاولات ابتزاز مالي لعائلات المحتجزين.
كما أشار إلى قضية الصحفي الكردي حسن زازا، الذي قال إنه اعتُقل في 27 حزيران/يونيو 2025، قبل الإفراج عنه في 3 تموز/يوليو.
وتناول التقرير كذلك حالة الصحفية العلوية نور سليمان، التي قال إنها اعتُقلت في 26 تموز/يوليو 2025 من دون توجيه تهمة إليها، عقب انتقادها هجمات طائفية استهدفت الدروز والعلويين، قبل الإفراج عنها بعد ثلاثة أيام بكفالة.
وفي حالة أخرى، تحدث التقرير عن التاجر المسيحي ميلاد الفرخ، الذي قال إنه اعتُقل في 24 آب/أغسطس 2025 وتوفي أثناء احتجازه، مضيفاً أن عائلته أفادت بأنها طُولبت بدفع عشرة آلاف دولار لإطلاق سراحه، وأن جثمانه حمل آثار عنف، فيما احتُجز أحد أقاربه بعد مطالبته بإجراء تشريح للجثمان.
ملف النساء المفقودات
وفي ما يتعلق بملف النساء المفقودات، ذكر التقرير أن “معهد توثيق انتهاكات حقوق الإنسان ضد الأقليات الدينية في المشرق” وثّق 131 حالة منذ كانون الثاني/يناير 2025، بينها 112 فتاة وامرأة علوية تتراوح أعمارهن بين 12 و45 عاماً.
وبحسب التقرير، تأكدت 50 حالة على الأقل باعتبارها عمليات اختطاف، مع وجود مؤشرات على تورط مباشر أو تواطؤ ضمني من جهاز الأمن العام في 12 حالة.
دعوات لضمانات قانونية في ملف المعتقلين
ورأت المنظمة أن هذه الحالات تتعارض مع المادة 18 من الدستور السوري، التي تنص على عدم تقييد الحرية إلا وفق الإجراءات القانونية، باستثناء حالات الجرم المشهود، إضافة إلى مواد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المتعلقة بحظر الاعتقال التعسفي وضمان الحق في المحاكمة العادلة والاستعانة بمحامٍ.
ويأتي التقرير في ظل استمرار الجدل حول ملف المعتقلين في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، وسط مطالبات حقوقية بضرورة اعتماد إجراءات قضائية واضحة، وضمان عدم التمييز في التعامل مع المحتجزين على أساس ديني أو عرقي أو سياسي.
اقرأ أيضاً:شهادات أمام الكونغرس تحذر من جرائم الهوية والاضطهاد الديني ضد أقليات سوريا