مخاوف من “عدالة انتقائية”.. منظمات حقوقية تحذر من إعادة إنتاج الإفلات من العقاب في سوريا

حذرت مجموعة من منظمات المجتمع المدني السورية وروابط الضحايا من انحراف مسار العدالة الانتقالية الجاري في البلاد، مشيرة إلى خطر تحوله إلى “عملية انتقائية” تركز حصرياً على جرائم النظام السابق وتتجاهل الانتهاكات المستمرة خلال المرحلة الانتقالية الحالية.

وأكدت المنظمات في ورقة موقف مشتركة – صدرت بمناسبة الذكرى الثالثة للمبادرة الهولندية-الكندية أمام محكمة العدل الدولية بشأن انتهاكات اتفاقية مناهضة التعذيب – أن أي مسار قضائي لا يشمل الضحايا الجدد والانتهاكات المستجدة سيؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج منظومة الإفلات من العقاب تحت مسميات جديدة.

استمرار الاعتقال والتعذيب: التزامات سوريا لا تتغير بتغير الحكومات

أعربت الورقة الحقوقية عن قلقها من تركيز الخطاب السائد حول العدالة الانتقالية على الانتهاكات التي سبقت سقوط النظام السابق فقط، في وقت تتزايد فيه التقارير التي توثق ممارسات قمعية راهنة، ومن أبرزها:

  • حالات الاعتقال التعسفي والاحتجاز خارج الأطر القانونية.

  • غياب الضمانات القانونية للمحتجزين وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز التابعة للسلطات الجديدة.

  • تكرار حملات الاعتقال المرتبطة بأحداث ومجازر وقعت عام 2025 (مثل مجازر الساحل في مارس، ومجازر الدروز في يوليو، وعمليات الاحتجاز مطلع العام شمال شرق سوريا).

وشددت المنظمات على أن التزامات سوريا بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب هي التزامات دولية ثابتة لا تتغير بتغير الأنظمة أو السلطات الحاكمة، وأن واجب المحاسبة يشمل الجرائم الحالية تماماً كالجرائم الماضية.

عدالة انتقائية أم شاملة؟ مطالب بتوسيع النطاق الزمني للمساءلة

انتقدت الروابط الحقوقية بشدة المحاولات التي تسعى إلى حصر المساءلة ضمن فترات زمنية محددة، واعتبرت ذلك تمييزاً بين الضحايا يحول العدالة من آلية قانونية وأخلاقية لحماية الحقوق إلى “أداة سياسية”.

أبرز مطالب منظمات المجتمع المدني السوري:

  1. توسيع النطاق الزمني: شمول الانتهاكات المرتكبة بعد تاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى اعتماد دستور دائم للبلاد لضمان عدم استبعاد فئات كاملة من الضحايا.

  2. الرقابة المستقلة: إخضاع جميع أماكن الاحتجاز الحالية لرقابة قضائية مستقلة وشفافة تضمن معايير المحاكمة العادلة.

  3. مشاركة المجتمع المدني: إشراك الضحايا والمنظمات المستقلة فعلياً في رسم سياسات العدالة الانتقالية بدلاً من حصرها في غرف رسمية مغلقة.

تسييس ملف المحاسبة وخطر فقدان ثقة الضحايا

حذرت الورقة من معالجة ملفات المساءلة، والتعويضات، والتسويات السياسية عبر قنوات منفصلة تفتقر إلى الشفافية، مؤكدة أن عقد تسويات خارج منظومة المحاسبة يهدد بإضعاف ثقة الشارع بالعملية الانتقالية برمتها.

وجاء في ختام البيان أن الاختبار الحقيقي للسلطات السورية الجديدة لا يكمن في إدانة جرائم الماضي، بل في القدرة على إيقافها وضمان عدم تكرارها. ورغم التعهدات الرسمية المتكررة بالقطيعة مع إرث الأجهزة الأمنية القمعية، إلا أن استمرار التقارير الحقوقية الدولية حول وجود اعتقالات غير معلنة يضع سيادة القانون على المحك ويجعل من توسيع نطاق المساءلة ضرورة ملحة لتأسيس سوريا المستقلة.

إقرأ أيضاً: منظمات مدنية سورية تنتقد مسار العدالة الانتقالية وتحذر من إقصاء الضحايا

إقرأ أيضاً: هيومن رايتس ووتش: خطوات محدودة للعدالة في سوريا عام 2025 ومحاسبة القادة ما تزال غائبة

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.