بعد انتهاء استبدال العملة السورية.. نقص “الفكة” يربك الأسواق ويزيد أعباء المواطن
مع انتهاء المهلة الرسمية لاستبدال العملة السورية القديمة، وانتقال الأسواق إلى التعامل بالليرة الجديدة حصراً، برزت مشكلة نقدية جديدة تمثلت في النقص الحاد بالفئات الصغيرة أو ما يعرف شعبياً بـ”الفكة”، لتتحول إلى تحدٍ يومي يواجه المستهلكين والتجار على حد سواء.
وبدأت تداعيات نقص الفئات النقدية الصغيرة بالظهور مع عمليات الشراء اليومية، إذ اصطدم المواطنون والتجار بصعوبة إعادة المبالغ المتبقية، ما دفع بعض المتاجر إلى اعتماد حلول غير رسمية، بينها مطالبة الزبائن بشراء سلع إضافية تعادل قيمة المبلغ المتبقي، أو التنازل عن فروقات مالية بسيطة.
وفي المقابل، لجأ بعض التجار ووسائل النقل إلى قبول ورقة الـ500 ليرة القديمة بشكل غير رسمي، باعتبارها تؤدي عملياً دور الفئات الصغيرة المفقودة، ولا سيما مع غياب فئة الخمس ليرات الجديدة من التداول بشكل كافٍ.
استبدال العملة يكشف أزمة الفئات الصغيرة
تأتي هذه التطورات بعد إعلان مصرف سوريا المركزي انتهاء التداول بالعملة القديمة اعتباراً من 31 تموز/يوليو الماضي، مع انتقال عملية سحب الأوراق النقدية القديمة إلى المصرف المركزي حصراً لمدة خمس سنوات وفق إجراءات محددة.
ويطرح نقص الفئات الصغيرة تساؤلات حول مدى جاهزية النظام النقدي للانتقال الكامل إلى العملة الجديدة، خاصة أن عملية الاستبدال استمرت أكثر من ستة أشهر، وكان من المفترض خلالها معالجة احتياجات السوق وتأمين مختلف الفئات النقدية اللازمة للتعاملات اليومية.
ويرى نائب رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق السابق محمد الحلاق أن مصرف سوريا المركزي يتحمل المسؤولية الأساسية عن أزمة الفئات الصغيرة، باعتباره الجهة المسؤولة عن السياسة النقدية وإصدار العملة.
وقال الحلاق إن المشكلة لم تقتصر على المستهلكين، بل امتدت إلى التجار الذين باتوا يواجهون صعوبات يومية في إتمام عمليات البيع وتسوية الحسابات مع الزبائن.
وأشار إلى أن التحضير لعملية استبدال العملة بدأ قبل أكثر من عام ونصف، كما استمر تداول العملتين القديمة والجديدة لعدة أشهر، ما كان يمنح الجهات المعنية فرصة للتنبؤ بمثل هذه المشكلات واتخاذ إجراءات مسبقة لمعالجتها.
غياب الوضوح بشأن العملة القديمة يزيد الارتباك
ولفت الحلاق إلى أن عدم وجود موقف رسمي واضح بشأن استمرار استخدام ورقة الـ500 ليرة القديمة، التي أصبحت عملياً بديلاً عن فئة الخمس ليرات الجديدة غير المتوفرة، أدى إلى اختلاف التعامل معها بين القطاعات التجارية ووسائل النقل.
وأضاف أن هذا الوضع خلق حالة من عدم الاستقرار في التعاملات اليومية، خصوصاً مع اختلاف قبول الورقة القديمة بين جهة وأخرى.
وتزداد أهمية أزمة “الفكة” مع خروج آخر الفئات الصغيرة القديمة من التداول، إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن أصغر فئة متاحة حالياً هي ورقة العشر ليرات الجديدة، ما يجعل عمليات الشراء منخفضة القيمة أكثر تعقيداً.
وقد يؤدي ذلك، بحسب اقتصاديين، إلى انتشار التقريب الإجباري للأسعار أو تحميل المستهلك فروقات مالية صغيرة تتراكم مع تكرار عمليات الشراء اليومية.
تكلفة إنتاج الفئات الصغيرة تطرح تحديات اقتصادية
من جانبه، ربط الخبير الاقتصادي جورج خزام أزمة الفئات الصغيرة بعوامل اقتصادية تتجاوز الجانب التنظيمي، موضحاً أن تكلفة إنتاج بعض الفئات النقدية الصغيرة أصبحت مرتفعة مقارنة بقيمتها الاسمية.
وأشار خزام، في منشور عبر حسابه على منصة “فيسبوك”، إلى أن تكلفة طباعة ورقة العشر ليرات الجديدة تُقدّر بنحو 13 سنتاً أميركياً، أي ما يعادل قرابة 1703 ليرات سورية وفق سعر صرف يبلغ نحو 13,100 ليرة مقابل الدولار، وهو ما يفوق قيمتها الاسمية، ما يجعل إصدارها غير مجدٍ اقتصادياً، بحسب تقديره.
ويرى خزام أن معالجة أزمة الفئات الصغيرة لا ترتبط فقط بزيادة الطباعة، بل تحتاج إلى إجراءات اقتصادية أوسع، تشمل خفض الطلب على الدولار، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد بما يساعد على استقرار سعر الصرف.
كما اعتبر أن حذف صفرين من العملة السورية وإصدار الليرة الجديدة كان يمكن أن يحقق نتائج أفضل في حال ترافق مع إصلاحات اقتصادية وهيكلية، تشمل دعم الصناعة المحلية وتحسين القدرة الإنتاجية.
هل تكون المدفوعات الإلكترونية حلاً؟
وأشار خزام إلى أن إصدار العملات المعدنية لا يمثل حلاً عملياً في الظروف الحالية، بسبب ارتفاع تكلفة سكها مقارنة بقيمتها الاسمية، ما يقلل من جدواها الاقتصادية.
ويرى اقتصاديون أن أزمة “الفكة” تعكس أن نجاح أي عملية لإعادة هيكلة العملة لا يعتمد فقط على سحب الأوراق القديمة وإصدار عملة جديدة، بل يرتبط أيضاً بقدرة السلطات النقدية على توفير جميع الفئات اللازمة لضمان سهولة التداول اليومي.
ومع استمرار شكاوى المواطنين والتجار من نقص الفئات الصغيرة، تبرز الحاجة أمام مصرف سوريا المركزي إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة الخلل، سواء عبر توفير كميات إضافية من الفئات النقدية الصغيرة أو توسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني.
ويحذر مراقبون من أن استمرار أزمة “الفكة” قد يحولها من مشكلة تشغيلية مؤقتة إلى عبء اقتصادي إضافي على المواطنين، ويؤثر في الثقة بعملية استبدال العملة التي هدفت إلى تنظيم التداول النقدي وتوحيد النظام المالي.
اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز