تقليص الوزن أم رفع الأسعار؟ الخبز السوري أمام اختبار التقشف

يواجه رغيف الخبز المدعوم في سوريا، المكون الرئيس للغذاء في البلاد، تحديات مالية معقدة، ما دفع السلطات الرسمية للتوجه نحو آلية تخفيض العدد والوزن لضبط النفقات، في وقت تلوح فيه في الأفق مخاوف جديدة من تقليص إضافي مع توقف الدعم الدولي الذي كان موجهاً له قبل نحو شهرين.

وتأتي هذه التطورات في ظل ضغوط التكلفة والارتفاعات المتتالية في أسعار الطاقة، حيث يتوقع خبراء اقتصاد وحوكمة سوريون تحدثوا لشبكة «إرم بزنس» ألا يصمد الدعم لهذه السلعة الإستراتيجية طويلاً أمام التحديات الاقتصادية المتزايدة.

ويرى الخبراء أن السلطات السورية قد تستمر مؤقتاً في آلية التخفيض المتدرج لتجنب إحداث خلل في الشارع السوري، على أن تلتجه مستقبلاً نحو مسارين أساسيين، أحدهما يعتمد التوجه للدعم النقدي المشروط، والآخر يركز على معالجة جذور تكاليف الإنتاج.

ويرتبط هذا التحدي بحجم الاستهلاك الكبير في البلاد، إذ يصل الاستهلاك اليومي في سوريا من الطحين إلى 4500 طن، تُنتج نحو 4 ملايين و380 ألف ربطة خبز يومياً عبر 1693 مخبزاً تحت إشراف المؤسسة السورية للمخابز، فيما تتراوح حصة الفرد اليومية من الخبز بين 250 و500 غرام.

تراجع الوزن والعدد في ظل تكاليف الإنتاج

أكدت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، في 24 يوليو الجاري، أن سعر ربطة الخبز التمويني لا يزال 4 آلاف ليرة سورية قديمة (30 سنتاً)، بما يعادل 40 ليرة سورية جديدة، نافية الأنباء المتداولة حول رفعه إلى 6 آلاف ليرة قديمة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

إلا أن الخبير الاقتصادي السوري زياد عربش أوضح لـ«إرم بزنس» أنه يقف خلف هذا النفي الرسمي واقع اقتصادي أكثر تعقيداً، مشيراً إلى أن الخبز السوري يقع تحت ضغط التكلفة وأن أزمته لم تأتِ من فراغ.

فخلال 16 شهراً فقط، تراجع وزن ربطة الخبز التمويني من 1500 غرام إلى 1000 غرام، وانخفض عدد الأرغفة من 12 إلى 8 أرغفة، مع الإبقاء على سعر الربطة عند 4 آلاف ليرة قديمة بناءً على قرار صدر في منتصف يونيو الماضي، متضمناً تخفيضاً سابقاً في 9 مايو أوصل الوزن إلى 1050 غراماً، وآخر في أكتوبر 2025 خفض الأرغفة من 12 إلى 10 أرغفة.

ويعود السبب المباشر لهذا التراجع، كما أقرّت الوزارة سابقاً، إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج عقب رفع أسعار المحروقات في مايو الماضي بنسب تراوحت بين 17 و30%، ما أدى إلى زيادة تكاليف تشغيل المخابز والنقل.

يرافق ذلك تراجع مستمر في قيمة الليرة السورية، حيث يتجاوز سعر الصرف في السوق الموازية 13,900 ليرة للدولار، وسط توقعات بتجاوزه حاجز 15 ألف ليرة بنهاية عام 2026.

توقف الدعم الدولي يفاقم الأزمة

يشير الخبير زياد عربش في حديثه إلى أن الضغط الأعمق على الخبز السوري يعود إلى تراجع الدعم الدولي، ولا سيما بعدما أوقف برنامج الأغذية العالمي في مايو الماضي برنامجه لدعم الخبز، والذي كان يغذي أكثر من 300 مخبز بدقيق القمح المدعّم ويوفر الخبز لنحو 4 ملايين شخص يومياً، وذلك بسبب نقص التمويل واحتياج البرنامج إلى 189 مليون دولار للأشهر الستة المقبلة لاستعادة حد أدنى من المساعدات.

وأضاف عربش أن استمرار الوضع الحالي ببيع الخبز بأقل من تكلفته الحقيقية يحمل الدولة فرق التكلفة بالكامل، وهو ما يضاف إلى عجز الموازنة المتفاقم ويُبقي على تشوهات السوق ويعيق الاستثمار الزراعي، خصوصاً بعد أن أصبح العبء كاملاً على الحكومة التي تعاني أصلاً من شح الموارد.

وأوضح عربش أنه لا بديل عن زيادة تدريجية لسعر الخبز أو استمرار تخفيض الوزن والعدد كآلية غير مباشرة لرفع الدعم ضبطاً للنفقات.

ورغم منطقية هذا الطرح مالياً، إلا أنه يحمل مخاطر اجتماعية جسيمة نظراً لكون الخبز رمزاً للحياة وأي مساس به يشعل الشارع، في وقت يعيش فيه نحو 74% من السكان تحت خط الفقر المدقع.

ويرى عربش أن الحل يكمن في مقاربة شاملة تتضمن التوجه نحو دعم نقدي مشروط للأسر الأكثر احتياجاً، وهو ما يتطلب بناء قاعدة بيانات دقيقة للأسر المستحقة، إضافة إلى معالجة جذور التكلفة من خلال ربط إصلاح دعم الخبز بإصلاح قطاع الطاقة وإقرار إستراتيجية وطنية للأمن الغذائي تشجع الإنتاج المحلي للقمح.

دعوات للشفافية وإجراءات التقشف

من جانبه، ذكر الباحث السوري في الحوكمة زيدون الزعبي أن الانفتاح الاقتصادي المفاجئ خلق تحدياً وصعوبات معيشية أزمة الخبز إحدى مظاهرها، موضحاً أن الأسعار ارتفعت بوتيرة سريعة بناءً على توقعات بقدوم الاستثمارات بنفس السرعة، لكن الواقع جاء مغايراً حيث ارتفعت الأسعار دون ورود الاستثمارات المنشودة أو حدوث التحسن المطلوب في الاقتصاد، في ظل منطقة تغلي أزماتها وتؤثر تداعياتها على الجميع.

وشدد الزعبي على أن الحلول الراهنة تتطلب وضع خطط واضحة وتجهيز المواطنين لمرحلة شد الحزام والتقشف، داعياً الحكومة إلى مصارحة الشعب بضرورة اتخاذ هذه الإجراءات التقشفية لاستعادة ثقة الشارع.

وتوقع الزعبي أن يكون رفع الدعم عن الخبز تدريجياً ليصل إلى مستوى الصفر خلال عامين أو ثلاثة أعوام، مشترطاً إطلاع المواطنين ومشاركتهم بشفافية وتوفير البدائل الاجتماعية لحماية الفئات المتضررة، بالتوازي مع العمل على جذب استثمارات محلية وأجنبية كبيرة.

اقرأ أيضاً:أنباء عن رفع سعره.. الخبز يُضاعف أعباء المعيشة على العائلات السورية

اقرأ أيضاً:تقرير حقوقي: سياسات الحكومة السورية الانتقالية تهدد الأمن الغذائي وتعمّق الفقر مع رفع أسعار الخبز والطاقة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.