عقارات سوريا.. أسعار تتضاعف وسوقٌ تحركه المضاربة

تشهد أسواق العقارات في معظم المحافظات السورية ارتفاعات حادة خلال الأشهر الماضية، تراوحت، وفق تقديرات نقلتها مصادر أهلية وتجار عقارات، بين 100 و150%، في وقت لا تبدو فيه حركة البيع والشراء متناسبة مع مستويات الأسعار المعلنة.

وفي دمشق، تختلف قيمة المتر السكني بحسب الحي ومستوى الخدمات والقرب من الأسواق. ويبلغ متوسط سعر المتر في المزة وكفرسوسة وأبو رمانة نحو 2500 دولار، مقابل قرابة 1500 دولار في برزة والميدان، بينما يبدأ السعر في ضواحٍ مثل جرمانا وقدسيا من نحو 800 دولار للمتر.

أما في ريف دمشق، الذي شهد خلال نحو عام ونصف عودة آلاف المهجرين واللاجئين، فتتراوح أسعار المتر على الهيكل في المناطق الواقعة وسط المدن بين 350 و600 دولار. وفي بعض مشاريع التطوير العقاري، يرتفع السعر إلى مستويات أعلى؛ إذ يبلغ متوسط المتر في «مارونا سيتي»، التي تأسست عام 2012 في دمشق، نحو 1500 دولار، بينما يصل في مشروع «أبيات هيلز» بقدسيا إلى 1000 دولار، ولا يقل في مشروع «جيران هومز» في الصبورة بريف دمشق، الذي يشرف عليه فريق ملهم التطوعي، عن 1050 دولاراً.

ارتفاع الأسعار دون حركة بيع واضحة

وتقول مصادر أهلية إن بعض العقارات تضاعفت أسعارها خلال فترة قصيرة، مشيرة إلى أن عقاراً كان معروضاً بنحو 20 ألف دولار العام الماضي أصبح سعره 40 ألف دولار على الأقل بعد أشهر قليلة.

لكن الوسيط العقاري وسيم الزاهر، الذي يعمل في سوق العقارات بالأحياء الراقية في دمشق، يصف جانباً من الأسعار المتداولة بأنها «وهمية»، مستنداً إلى غياب حركة فعلية واسعة للبيع والشراء. ويربط هذه الحالة، وفق حديثه لموقع «المدن»، بارتفاع مطالب المالكين وضعف الرقابة الحكومية.

ويتفق الخبير الاقتصادي سمير طويل مع وجود فجوة بين الأسعار المعلنة والأسعار الفعلية للصفقات، معتبراً أن بعض المكاتب العقارية والسماسرة يساهمون في دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة، وأن جزءاً من القفزات المسجلة لا يعكس ارتفاعاً حقيقياً في قيمة العقارات.

في المقابل، يرى طويل أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بالمضاربة وحدها، إذ أسهمت عودة اللاجئين والمهجرين إلى مناطقهم في زيادة الطلب، بينما ساهم سوريون ما زالوا خارج البلاد في تنشيط السوق عبر شراء عقارات داخل سوريا بواسطة أقارب أو وسطاء.

ويحدث ذلك، بحسب طويل، في ظل محدودية المعروض من المساكن الجديدة، ما يزيد الضغط على السوق، ولا سيما في المناطق التي تستقبل أعداداً متزايدة من العائدين.

ريف دمشق أمام أسئلة التخطيط وإعادة الإعمار

ويشير طويل إلى مشكلة أخرى تتمثل في غياب مخططات تنظيمية معتمدة ورؤية واضحة لمستقبل العقارات في ريف دمشق، خصوصاً في المدن التي تضرر جزء من مبانيها خلال الحرب.

وتبقى، وفق طرحه، أسئلة تتعلق بمصير الأبنية المتضررة مفتوحة، من بينها ما إذا كانت ستُهدم أو تُرمم، وما إذا كانت ستُنشأ مساكن جديدة مكانها، في ظل عدم وجود تصور واضح لمآلات هذه المناطق.

ويرى طويل أن الحكومات السورية المتعاقبة لم تتمكن من معالجة أزمة السكن بصورة جذرية، والتي تفاقمت خلال سنوات الحرب، بينما استمرت أسعار العقارات في تسجيل ارتفاعات جعلت بعض المناطق تقترب من مستويات أسعار مدن أوروبية، باستثناء العواصم.

ثلاثة عوامل وراء ارتفاع الأسعار

الباحث في التنمية المستدامة الدكتور رفعت عامر يضع اتساع الفجوة بين الطلب والعرض في مقدمة أسباب ارتفاع الأسعار، مشيراً إلى عودة سوريين من تركيا ولبنان والأردن ودول أخرى، إلى جانب عودة نازحين داخليين إلى مناطقهم، مع استمرار وجود أعداد كبيرة من النازحين داخلياً.

ويشير عامر إلى أن ريف دمشق كان من أبرز المناطق التي استقبلت العائدين، رغم كونه من المناطق الأكثر تضرراً، ما أدى إلى زيادة أعداد الباحثين عن السكن في مقابل عرض لا ينمو بالوتيرة نفسها.

ولا يقتصر الأمر، وفق عامر، على نقص الوحدات السكنية؛ إذ إن جزءاً من المساكن القائمة يحتاج إلى الترميم، فيما تقع أخرى في مناطق تفتقر إلى الخدمات، إضافة إلى وجود نزاعات قانونية ووثائق مفقودة وتداخلات مرتبطة بالمالكين والورثة والنازحين وشاغلي العقارات.

العامل الثاني، بحسب عامر، هو ارتفاع تكاليف البناء، إذ ترتبط أسعار مواد البناء والطاقة والنقل والتجهيزات والأجور جزئياً بسعر الصرف وكلفة الاستيراد. وبالتالي، فإن ارتفاع سعر المتر لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في القيمة الحقيقية للعقار، فقد يعكس جزء منه ارتفاع تكلفة إنشاء متر جديد وتراجع القوة الشرائية للعملة.

ويشدد عامر على ضرورة التفريق بين السعر الاسمي والسعر الحقيقي، موضحاً أن ارتفاع سعر العقار بالليرة بنسبة كبيرة لا يعني بالضرورة ارتفاعه بالنسبة نفسها عند احتسابه بالدولار أو مقارنة قيمته بسلة من مواد البناء. كما أن الأسعار المنشورة قد تتجاوز الأسعار التي تتم بها الصفقات فعلياً، ما يجعل بيانات المعاملات المسجلة أكثر أهمية من الاعتماد على إعلانات المكاتب العقارية وحدها.

أما العامل الثالث، فيرتبط، وفق عامر، بحركة الأموال المتراكمة خارج النظام المصرفي. ويشير إلى أن سنوات الحرب أوجدت شبكات من التجار والوسطاء وأصحاب النفوذ والمستفيدين من الاحتكارات والتهريب والجباية غير الرسمية، مع احتمال توجه جزء من الأموال المتراكمة لديها نحو الأصول المادية.

ويشرح أن ضعف الإنتاج وغياب سوق مالية، إلى جانب ضعف الثقة بالمصارف ومحدودية الفرص الصناعية، يجعل العقار وسيلة تقليدية للاحتفاظ بالثروة، باعتباره أصلاً ملموساً يمكن الاحتفاظ به لفترات طويلة، بينما تتيح محدودية شفافية تسعيره مجالاً للمضاربة، وقد يستخدم في بعض الحالات لإخفاء مصادر الأموال أو إعادة تدويرها، وفق تقديره.

تدخل حكومي أم زيادة في المعروض؟

مع استمرار ارتفاع الأسعار ووجود فجوة بين الأسعار المعلنة والأسعار الفعلية في جزء من السوق، يبرز النقاش حول الإجراءات التي يمكن أن تساعد في الحد من التقلبات وتحسين استقرار سوق العقارات.

وبحسب «المدن»، يتفق الوسطاء والخبراء الذين تحدثت إليهم على الحاجة إلى تدخل حكومي في سوق العقارات. وفي محاولة للحصول على موقف رسمي، تواصلت الصحيفة مع الجهات الحكومية المعنية؛ إذ أحالت وزارة الإدارة المحلية الملف إلى وزارة الإسكان، بينما أعادت وزارة الإسكان الإحالة إلى وزارة الإدارة المحلية.

ويقترح سمير طويل إنشاء هيئة رقابية حكومية، يمكن أن تتبع لوزارة الإسكان، تتولى وضع ضوابط للسوق وتحديد معايير للأسعار. ويعتبر أن تدخل الحكومة في تسعير بعض السلع والمواد يمكن أن يمتد، وفق رؤيته، إلى وضع ضوابط لسعر الأراضي والعقارات السكنية والتجارية.

كما يدعو طويل إلى خطة لمعالجة أزمة السكن والتقلبات السعرية، تتضمن إنشاء مساكن للمهجرين، وإعادة إعمار مناطق مدمرة، ووضع مخططات تنظيمية جديدة، معتبراً أن تنفيذ هذه الإجراءات يمكن أن يخفف من الارتفاعات الحالية.

أما رفعت عامر، فيرى أن زيادة العرض تمثل المدخل الاقتصادي الأساسي لتحقيق قدر من التوازن مع الطلب، لكنه يحذر من أن زيادة البناء وحدها لا تكفي إذا تركزت المشاريع في الوحدات الفاخرة التي لا تتناسب مع قدرة غالبية الأسر على الشراء.

ويشير إلى أن وجود شقق فارغة خارج سوق الإيجار لا يعني بالضرورة وفرة فعلية في العرض، إذ قد يحتفظ أصحابها بها كوسيلة لحفظ القيمة.

وبناءً على ذلك، يطرح عامر حزمة أوسع من الإجراءات تشمل ترميم المساكن المتضررة، وبناء وحدات جديدة تتناسب مع دخول الأسر، وتشجيع الإيجار طويل الأجل، وتحسين الخدمات، وحماية الملكية، والحد من الاحتكار والمضاربة.

ويرى أن إعادة أسعار العقارات سريعاً إلى مستوياتها السابقة قد لا تكون ممكنة في ظل التضخم وارتفاع تكاليف البناء، ولذلك يتمثل الهدف قصير الأجل في إبطاء وتيرة الارتفاع، والحد من القفزات المضاربية، وزيادة شفافية السوق وحماية المستأجرين والفئات الأكثر هشاشة.

أما على المدى المتوسط، فيربط عامر استقرار السوق بقدرة الاقتصاد على توجيه السيولة نحو الاستثمار المنتج، وتحسين الدخول وفرص العمل، وتوسيع المشاريع السكنية، وتعزيز الثقة بالقضاء والمؤسسات والسياسات العامة.

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.