المؤونة في السويداء تتحول إلى مصدر دخل.. ارتفاع التكاليف يضغط على الأسر والمشروعات المنزلية
لم يعد موسم المؤونة في السويداء مجرد طقس منزلي يتكرر كل صيف استعداداً لشتاء طويل، بل بدأ يتحول إلى سوق عمل موسمية صغيرة تقتات منها أسر وأفراد وجدوا في “المكدوس” والكشك والملوخية ودبس الفليفلة وغيرها منفذاً مؤقتاً لدخل باتت الحاجة إليه أكبر من أي وقت مضى.
لكن خلف هذه الحركة الموسمية تختبئ معادلة أكثر قسوة: مواد أولية ترتفع أسعارها، وقدرة شرائية تتآكل، وعمل شاق يحتاج أياماً من التحضير والتجفيف والتعبئة، مقابل هوامش ربح لا تبدو دائماً بحجم الجهد المبذول. وهكذا تصبح المؤونة، التي كانت عنواناً للاكتفاء المنزلي، انعكاساً آخر لاقتصاد يضطر فيه الناس إلى تحويل كل مهارة ممكنة إلى مصدر دخل.
من مطبخ المنزل إلى مصدر رزق
تقول رزان ش.، وهي من العائلات التي اضطرت إلى مغادرة قريتها، إن إعداد المؤونة تحول إلى عمل موسمي يساعدها على تأمين دخل إضافي خلال الصيف. وتشمل منتجاتها الكشك والملوخية ودبس الفليفلة والبندورة، لكنها تؤكد أن ارتفاع كلفة المواد والنقل والطحن والتخزين يضغط بقوة على الأرباح.
وتوضح أن إنتاج كيلو الكشك يحتاج إلى نحو كيلوغرام من البرغل بسعر يقارب 120 ليرة، ونحو 2.5 كيلوغرام من اللبن الرائب بسعر يصل إلى 100 ليرة للكيلو، قبل احتساب الطحن والنقل وأيام التجفيف. وبذلك ترتفع كلفة الكيلو إلى نحو 450–500 ليرة، بينما يباع بين 750 و1000 ليرة وفق المكونات وجودتها.
الأرقام تبدو للوهلة الأولى رابحة، لكنها تخفي قيمة الوقت والعمل، وهي تكلفة لا تظهر في دفاتر الحساب بينما تستهلك أياماً كاملة من جهد الأسرة.
«المكدوس» لم يعد رخيصاً
في سوق المؤونة، ترتفع الكلفة مع كل مكوّن. يبلغ سعر كيلو الباذنجان المحضر نحو 450 ليرة، فيما تصل حشوة “المكدوس” إلى نحو 900 ليرة للنوع العادي ونحو 1250 ليرة للنوع الممتاز، بفعل اختلاف نوع الجوز والمكونات المستخدمة.
ولم تعد الأسر تنظر إلى إعداد المؤونة باعتباره عملاً منزلياً مجانياً. فغاز السلق، والوقت، والملح، والزيت، والتعبئة، والنقل، كلها أصبحت عناصر تحسبها الأسرة قبل أن تبدأ.
لذلك اختارت بعض العائلات شراء المؤونة الجاهزة أو نصف الجاهزة، حتى لو كان سعرها أعلى قليلاً، لأن توفير يوم كامل من العمل بات في حد ذاته قيمة اقتصادية.
مهارات تقاوم البطالة
دخل بعض العاملين إلى هذا السوق عبر تقديم خدمات تحضير المؤونة بدلاً من بيع المنتج نفسه. أبو كرم، وهو مدرس لغة إنكليزية، يعمل خلال الموسم في سلق الباذنجان وتمليحه وشقه وكبسه مقابل بدل مالي، مستفيداً من زيادة الطلب الصيفي.
ويرى أن هذا العمل يوفر دخلاً إضافياً من دون الحاجة إلى استئجار محل، لكنه يواجه مشكلة اجتماعية تتعلق بالنظر إلى أعمال المؤونة باعتبارها مرتبطة بالنساء أكثر من الرجال.
ومع ذلك، فإن تكرار الطلبات من زبائن جرّبوا عمله يكشف أن الحاجة الاقتصادية قادرة على كسر بعض الصور النمطية، ولو بصورة مؤقتة.
اقتصاد صغير تعجز الدولة عن صنع بديله
توسّع الطلب على المؤونة الجاهزة مع تغير نمط الحياة وضيق الوقت والمساحات المنزلية، فظهرت سلسلة اقتصادية تبدأ من شراء الخضار، وتمر بالتحضير والتجفيف والطحن والتعبئة، وتنتهي بمنتج يباع داخل السوق.
هذه الدورة توفر دخلاً مؤقتاً لنساء وأسر ومعلمين وعاملين، لكنها تنمو خارج أي منظومة دعم واضحة للمشروعات المنزلية والصناعات الغذائية الصغيرة.
وهنا يظهر جانب آخر من مسؤولية الحكومة الانتقالية. فبدلاً من ترك هذا النشاط رهناً للموسم وتقلبات الأسعار، يفترض أن يتحول إلى قطاع اقتصادي صغير يحظى بالتدريب، والتسهيلات، ودعم التعبئة والتسويق، وفتح أسواق خارج المحافظة.
لكن واقع المؤونة يقول إن الدولة ما زالت تراقب سوقاً تنمو من تلقاء نفسها أكثر مما تساعدها على النمو.
موسم قصير يحمل أكثر من رسالة
قد تبدو المؤونة تفصيلاً صغيراً في اقتصاد محافظة السويداء، لكنها في الحقيقة تكشف تغيراً في سلوك الأسر: ما كان يصنع للاستهلاك أصبح ينتج للبيع، وما كان عادة منزلية تحول إلى مصدر دخل، وما كان يعرف بالاكتفاء صار مرتبطاً بالسوق والأسعار والقدرة على الشراء.
وفي بلد تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتسع الحاجة إلى مصادر دخل إضافية، يصبح من الطبيعي أن تتحول كل مهارة إلى مشروع وكل موسم إلى فرصة.
لكن الفرصة التي يصنعها الناس بأنفسهم لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن سياسة اقتصادية غائبة. فالمكدوس والكشك والملوخية قد تعين أسرة على اجتياز الصيف، لكنها لا تستطيع وحدها سد فجوة البطالة والدخل وارتفاع الأسعار.
المؤونة في السويداء لم تعد فقط طعاماً يُخزّن للشتاء؛ إنها، في جانب منها، محاولة موسمية لتخزين شيء آخر أكثر ندرة: دخل يكفي للاستمرار.
اقرأ أيضاً: تربية النحل في السويداء.. تحسن إنتاج العسل وارتفاع التكاليف يهددان المربين