تربية النحل في السويداء.. تحسن إنتاج العسل وارتفاع التكاليف يهددان المربين

يبدو موسم العسل في السويداء أفضل هذا العام، لكن تحسن المراعي والهطولات المطرية لم يكن كافياً لإخراج تربية النحل من دائرة الخسائر. فالمهنة التي تعتمد على الطبيعة بقدر اعتمادها على خبرة المربي تواجه كلفة إنتاج مرتفعة، ونقصاً في مستلزمات التربية، وخسائر لم يتعافَ منها القطاع بعد، فيما يتراوح سعر كيلو العسل حالياً بين 250 و300 ألف ليرة سورية.

وبينما ساعد تحسن الأمطار على زيادة الإزهار وتوفير مراعي أفضل للنحل، لا تزال أعداد الخلايا أقل بأكثر من 40% مقارنة بما كانت عليه قبل أحداث تموز 2025، وفق رئيس شعبة أبحاث النحل في مركز البحوث العلمية الزراعية ماهر دوارة.

موسم أفضل.. لكن الخسائر لم تختفِ

يصف مربون الموسم الحالي بأنه من أفضل المواسم خلال السنوات الأخيرة، مستفيدين من تحسن الغطاء النباتي وتنوع النباتات البرية وأزهار الربيع التي تمنح العسل المحلي خصائص مميزة.

لكن تحسن الإنتاج لا يعني تحسن وضع المربي بالضرورة. فسعر الخلية الواحدة يتراوح بين مليوني ومليونين ونصف المليون ليرة، فيما ارتفعت كلفة الشمع والأدوية والفيتامينات والخشب والنقل، ما يجعل التوسع في المهنة مغامرة مكلفة، خصوصاً لمن خسر جزءاً من خلاياه خلال السنوات الماضية.

ويقول مربون إن شمع الأساس والأدوية البيطرية من أكثر المستلزمات ارتفاعاً، إلى جانب صعوبة تأمين بعض المواد وارتفاع تكلفتها، في وقت لا تزال فيه السوق المحلية محدودة القدرة على استيعاب الأسعار المرتفعة.

القطاع يدفع ثمن البيئة أيضاً

ولا تقتصر المشكلة على الكلفة. فالقطاع يتأثر بتراجع المراعي الطبيعية وقطع الأشجار، إضافة إلى الاستخدام غير المنظم للمبيدات الزراعية الذي قد يتسبب بنفوق النحل خلال مواسم الإزهار.

ويحذر دوارة من أن تراجع الغطاء الشجري، ولا سيما أشجار الكينا، يضعف مصادر الرحيق، داعياً إلى حملات تشجير أوسع وتنسيق أكبر بين المزارعين ومربي النحل لتجنب الرش في أوقات نشاط النحل.

كما تواجه الخلايا آفات وأمراضاً، بينها الفاروا والدبور والوروار، ما يضيف كلفة جديدة إلى مربي يعتمد أصلاً على هامش ربح محدود.

عسل طبيعي في سوق ضعيفة

ورغم ارتفاع السعر، لا يحصل المربي بالضرورة على مقابل يعكس جهده، إذ تراجعت حركة شراء العسل مع ضعف القدرة الشرائية. وتقول مربية من القريا إن سعر الكيلو ارتفع بنحو 50 ألف ليرة مقارنة بالموسم الماضي، لكن كثيراً من المستهلكين لم يعودوا يشترونه إلا عند الضرورة.

ويزيد انتشار العسل المغشوش من الضغط على المنتج الطبيعي، إذ يسمح السعر المنخفض لبعض المنتجات المنافسة بجذب المستهلك وإرباك السوق، ما يضع الرقابة الحكومية أمام مسؤولية حماية المنتج والمستهلك معاً.

خسائر تموز ما زالت حاضرة

تبقى الضربة الأكبر في ذاكرة المربين مرتبطة بأحداث تموز 2025، حين تعرضت مناحل في قرى من المحافظة للحرق والدمار، وخسر بعض أصحابها مشاريعهم بالكامل.

ويقول أحد المربين، الذي بدأ العمل عام 1999، إنه فقد جميع مناحله واضطر إلى مغادرة قريته، فيما تحتاج إعادة مشروعه إلى نحو 250 مليون ليرة، وهو مبلغ يتجاوز قدرته الحالية.

وهنا يظهر نقص الدعم بصورة أوضح. فإعادة بناء قطاع خسر جزءاً كبيراً من أصوله لا يمكن أن تعتمد على قدرة المربي الفردية وحدها، بينما يحتاج القطاع إلى برامج واضحة لتعويض الخسائر، وتأمين المستلزمات، وكسر احتكار بعض المواد، وتوفير التدريب والإرشاد.

ولا ينتهي مستقبل تربية النحل عند بيع العسل. فالخلية تنتج العكبر وغبار الطلع والغذاء الملكي والشمع، ويمكن تحويل هذه المنتجات إلى مستحضرات غذائية وتجميلية وطبية، بما يفتح مصادر دخل إضافية.

لكن ذلك يحتاج إلى قطاع قادر أولاً على البقاء. ومع تحسن الموسم الحالي، يبقى السؤال أصعب من كمية العسل المنتجة: هل تستطيع الحكومة السورية الانتقالية تحويل هذا التحسن الطبيعي المؤقت إلى تعافٍ حقيقي لمهنة ما تزال تحمل خسائر سنوات لم تُعالج بالكامل؟

 

اقرأ أيضاً: حرائق وجفاف يهددان تربية النحل في سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.