السدود السورية أمام خطر التقادم.. صيانة متأخرة وبنية مائية تنتظر خطة إنقاذ حكومية

في بلد أنهكته سنوات الأزمات، لم تعد السدود السورية مجرد منشآت لتوليد الكهرباء أو تخزين المياه، بل أصبحت اختباراً جديداً لقدرة الحكومة السورية الانتقالية على إدارة ما تبقى من البنية التحتية الحيوية.

فخلف أرقام الصيانة الدورية التي تعلنها المؤسسة العامة لسد الفرات، تظهر صورة أكثر تعقيداً: منشآت استراتيجية تعاني من التقادم، ونقص في القطع التبديلية، وتراجع في الكوادر الفنية، بعد سنوات طويلة لم تحصل خلالها على أعمال التأهيل الكبرى التي تحتاجها لضمان استدامتها.

وقال مدير المؤسسة العامة لسد الفرات هيثم بكور إن فرق الصيانة تواصل أعمالها الوقائية في سدود الفرات وتشرين وكديران، بهدف رفع جاهزية مجموعات التوليد وإعادة بعض العنفات إلى الخدمة، مشيراً إلى أن هذه الأعمال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها نقص قطع الغيار والكوادر المتخصصة.

لكن هذه التحديات لا تبدو مجرد عقبات فنية مؤقتة، بل تعكس أزمة أوسع في إدارة المرافق الحيوية، حيث باتت مؤسسات الدولة تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من التشغيل بدلاً من الانتقال إلى مرحلة التحديث والتطوير.

سدود تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة

بحسب المؤسسة العامة لسد الفرات، فإن السدود الثلاثة تحتاج إلى عمليات عمرة وتحديث واسعة نتيجة غياب الصيانة الكبرى لفترات طويلة، وهي أعمال قد تحتاج إلى نحو عام ونصف لإنجازها.

ويؤكد المسؤولون أن المؤسسة تعمل على تأمين الاعتمادات المالية والاستفادة من الخبرات الدولية لتنفيذ مشاريع التأهيل، إلا أن غياب جدول زمني واضح وخطة معلنة يجعل مستقبل هذه المنشآت الحيوية مرتبطاً بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على تحويل الوعود إلى مشاريع فعلية.

فالسدود ليست مرافق عادية يمكن تأجيل إصلاحها، بل ترتبط مباشرة بالأمن المائي والطاقة والزراعة، وأي خلل في جاهزيتها قد ينعكس على حياة ملايين السوريين.

نزيف الكفاءات يفاقم الأزمة

إلى جانب الجانب التقني، تواجه المؤسسة مشكلة أخرى تتمثل في تراجع أعداد العاملين والخبرات الفنية المتخصصة. وأشار بكور إلى أن السنوات الماضية شهدت استنزافاً كبيراً للكوادر، ما دفع المؤسسة إلى البحث عن استقطاب خبرات جديدة بالتعاون مع وزارة التنمية الإدارية.

لكن إعادة بناء الخبرة الفنية لا تحتاج فقط إلى قرارات إدارية، بل إلى بيئة مؤسساتية قادرة على الاحتفاظ بالكفاءات وتأمين التدريب والموارد اللازمة، وهي تحديات ما زالت تواجه معظم القطاعات الحكومية السورية.

ثروة مائية تحت ضغط الإهمال

تمتلك سوريا شبكة واسعة من السدود موزعة على أحواض الفرات ودجلة والخابور والعاصي والساحل وغيرها، وتؤدي أدواراً أساسية في الري وتوليد الكهرباء وتأمين المياه وتنظيم جريان الأنهار.

ويأتي سد الفرات في مقدمة هذه المنشآت باعتباره الأكبر والأكثر تأثيراً، إلى جانب سدود تشرين والبعث، إلا أن أهمية هذه المنشآت تقابلها هشاشة متزايدة نتيجة تأخر عمليات الصيانة والتحديث.

اليوم، لا تواجه السدود السورية مشكلة عطل فني فقط، بل تواجه أزمة إدارة طويلة الأمد. فبينما تحاول فرق الصيانة إبقاء هذه المنشآت قيد العمل، يبقى السؤال الأكبر حول قدرة الحكومة السورية الانتقالية على الانتقال من سياسة معالجة الأعطال الطارئة إلى بناء استراتيجية وطنية تحمي واحدة من أهم ركائز الأمن المائي والطاقة في البلاد.

 

اقرأ أيضاً: تسرب في سد الحسكة الجنوبي يثير مخاوف السكان.. تحدٍ جديد أمام الحكومة وملف البنية التحتية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.